شهدت دمشق مؤخراً، التظاهرة السنوية «أيام التصوير الضوئي» التي تشارك فيها عدة جهات، وتتضمن معارض ومحاضرات وورشات عمل وسينما وفيديو.توزعت فعاليات هذه التظاهرة (وهي السادسة) على مكتبة الأسد الوطنية، وكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، والمركز الثقافي الفرنسي، والمركز الثقافي الألماني (معهد غوته) وخان أسعد باشا في سوق البزورية، وشارك فيها باحثون وفنانون ضوئيون وتشكيليون من سوريا، ولبنان، وفلسطين، وإيران، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، ودول أخرى.

تُشكّل هذه التظاهرة الضوئية الدوريّة ببدراً للغلال الجديدة الواردة من حقول فن التصوير الضوئي وامتداداته وافرازاته الكثيرة ومنها: الصورة الضوئية التقليدية الفنية، وعرض شرائح ضوئية بوساطة الراشق، أو جهاز السلايد، أو الفيديو، وغيرها من التقانات اللصيقة بهذا الفن الدائم الإضافة والتجديد منذ شهر النور لأول مرة، مع اختراع الكاميرا عام 1839.

فقد شكّل هذه الفن الوليد منذ بداياته الأولى، ميدانا رحباً للبحث والتجريب الثقافي والتعبيري، قادة فنانون موهوبون مهرة، أدخلوه إلى مرافق الحياة المعاصرة كلها. وبتطور وسائط ووسائل نقل الصورة الضوئيّة وتعميمها وطرائق معالجتها، تربع فن التصوير الضوئي على سدة الحكم، في جمهورية الابداع المؤثر والفاعل والسريع. وبفضل الخروقات التقانية الهائلة التي تفرعت عن هذا الفن، تحوّل كوكبنا الجميل إلى قرية كونيّة صغيرة.

المثير والمدهش في فن التصوير الضوئي، انه لا يكاد يمضي يوم دون أن يسجل إضافة جديدة على صعيد بتيته البصريّة أو التقانية أو التعبيرية بل لقد ذهب فن التصوير الضوئي المسكون بمطموح جامح ومشروع، إلى أبعد من ذلك، حيث افصح خلال العقود القليلة الماضية، وبصراحة كبيرة، عن شعوره بالندية مع الفن التشكيلي، مدفوعاً بما يشبه رد الاعتبار، وإثبات الوجود، في الجانب الإبداعي من الفنون البصريّة التي طُرد منه في بداية نشأته، بحجة أنه فن آلي بارد وغير معبّر، دخيل على وسائط ووسائل الإبداع التقليديّة، كالفن التشكيلي، والشعر، والموسيقا، والأدب، التي كانت يوم ولادة الكاميرا، تستظل بسقف معبد (أبو للو) الذي طُرد منه، بحجة انه فن آلي بارد!!

هذه الرؤية السلبية تجاه التصوير الضوئي، دفع العاملين في حقله إلى اثبات العكس، فقاموا بانجاز الرسمية، واللوحة، والمنحوتة، والمحفورة، والملصق، بالصورة الضوئية، ووسائط نقلها المتطورة. كما اقتحموا بها صالات عرض الفن التشكيلي ومتاحفه وأكاديمياته ومجلاته التخصصية، بل قام فن التصوير الضوئي بسلب الفن التشكيلي، أغلبية مهامه ووظائفه وموضوعاته.

لقد برهن المصورون الضوئيون على أن تطور الفن مرهون بالآلة وبالإنسان الذي يديرها. ولم يكتف هذا الفن بكل هذه الإضافات والانجازات المهمة التي تناولت لغته التعبيرية، وتقاناته كافة، بل أصبح يدرس انجازاته، مقلدا بذلك الفن التشكيلي. إذ صرنا نسمع بالصورة الضوئية الكلاسيكية، والواقعية، والانطباعية، والسوريالية، والتكعيبية، والرمزية، والتجريدية، والمفاهيمية .. الخ.

بعد كل هذا: أليس هذا هو الفن الحقيقي؟ أليست هذه الانجازات المدهشة، اشارات أكيدة، على وجود فنان حقيقي، يتمتع بالموهبة والخبرة والابتكار، خلف هذه الانجازات؟

د. محمود شاهين