رواية «الحب في زمن العولمة» لصبحي فحماوي تعكس سمات تطل من أعمال الكاتب الأردني من أبرزها سخرية وتركيز على مظاهر وتفاصيل وأنماط سلوك وتفكير في الحياة اليومية العربية واستعمال هذا كله لرسم إطار اكبر ربما بدا اقرب عامة إلى صورة من صور هذه الحياة.
يبدو فحماوي في عمله هذا كمن يصور مزيجا لا ينحل، عنصراه المكونان ليشكلا واحدا.. بل هما يلتقيان فيتداخلان هنا دون ذوبان.. ويتنافران هناك كأنهما غريبان في محطة سفر، جلسا جنبا إلى جنب دون حوار ودون أن تتلاقى نظراتهما.
الكاتب لا يتفلسف أو يتحذلق لكنه يتناول بسخريته المرة المضحكة المبكية كثيرا من وجوه حياتنا الفكرية والاجتماعية والاقتصادية في جديدها وقديمها شبه الثابت.. ويبدو حينا على الرغم من تركيزه على اليومي والمحسوس كأنه يتجاوز ذلك ليرسم ما يشبه نسيجا فكريا نفسيا فيه كثير من الهجنة وكأنه يتعمد إظهار هذا النسيج الهجين.
يركز فحماوي على تصوير «عولمة» يكثر الحديث عنها ويتزايد وقد دخلت عالمنا الذي يأخذ منها أي من الغرب ما يستهويه في تصرف شبه طفولي. انه عالم يقوم على ما يمكن أن نسميه «السعدنة الفكرية» من السعدان أي القرد. عالم بدا انه يستغرب الأحداث بدرجة كبيرة ويستمر من ناحية أخرى يجتر المقيم إقامة شبه أبدية من سحيق أيامه.
وقد يبدو الأمر أحيانا أشبه بمن يرتدي «جلابية» قديمة مهلهلة أو «سروالا» عربيا شرقيا كما يقال وفوقهما ربطة عنق باريسية فخمة عادية أو «بابيون». أمر غريب من دون شك.. وقد يذكر بصورة مهرج. لعل هذا بعض ما يرمي إليه فحماوي.
وفي ما يصوره الكاتب من دخول بعض سمات «العولمة» على مجتمع راكد أو متخلف في بعض مجالاته نشهد حالات جوار بين تخلف عريق وأنواع من أحدث نتاج الفكر والمصانع الغربية. وتتكرر صورة المهرج الذي لا يضحكنا دائما بل يخلق فينا مشاعر أخرى. وحيث يتحدث عن هذا النوع من العولمة يبدو كأنه يصور ما يمكن ان يسمى «عوربة» أي عولمة عربية أو ما قد يصح بأن يعطى اسم «عولثة» أو عولمة من بعض أقطار العالم الثالث.
رواية فحماوي جاءت في 265 صفحة متوسطة القطع وصدرت عن مؤسسة دار الهلال في نطاق «روايات الهلال» في القاهرة.
يبدأ فحماوي روايته بظرف ورمزية وبكثير من «حسن التخلص». وإذا كان العرب القدامى تحدثوا عن وادي عبقر وما قيل من أن الجن الذي كان يسكنه شكل مصدر «عبقرية» للبعض.. وما يصفه الغربيون بطريقة مماثلة، حيث تستعمل كلمة «جينيوس» الانجليزية لتعني العبقري أو النابغة.. وفي جذرها عودة إلى الجن.. فقد كان لفحماوي جني بل عائلة نشيطة من الجن.
ففي كلام نموذجي بمعنى انه يحمل كثيرا من أسلوب فحماوي ومحتواه الذي يحفل بالنقد الساخر.. وبثقافة متنوعة تنضح بالسياسي والاجتماعي والفكري والأدبي والاقتصادي وشؤون الجنس وعقده.. إنما بمرح وبساطة ومن دون «تنظير» من الوزن الثقيل.. بدأ الرواية بعنوان هو «تنويه» فقال عن نفسه «عندما كنت صغيرا لم يكن لدينا شيء اسمه تلفاز وكانت أمي زينب تحكي لنا حكايات قبل النوم وعشعش في ذهني ما روته عن الحاجة فاطمة.
. امرأة كانت تعيش في مدينة جنين مرفوعا عنها الحجاب وكانت روحها متصلة مع الجن وهذا الجن من سلالة سعد الدين. لم اعرف يومها من هو سعد الدين.. ومن المؤكد انه ليس سعد الدين إبراهيم ـ المصري الأميركاني ـ مع اعتذار للأديب صنع الله إبراهيم. وهذه المعلومات السرية أبوح بها لكم بعد أن احتفظت بها مدة خمسين سنة ثم أفرجت عنها تماما كما يفرجون عن الملفات البريطانية بعد انتهاء فعاليتها».
أضاف أن أمه في حكاياتها قالت له إن الناس عندما كانوا يسألون الحاجة فاطمة عن حاجاتهم «فإنها كانت تجلس أمامهم متربعة ثم تنتفض ويتغير صوتها وتجحظ عيناها..». سأل الصبي عن سبب تغير صوت فاطمة فأجابت الأم «عندما تجلس أمام الزوار يركبها أولاد سعد الدين ثم يبادرون بالحديث مع الزوار فينطلق سعد الدين من فم المرأة الجاحظة العينين وهي لا تدري ماذا يحصل..».
الكاتب هنا يستغل سعد الدين بظرف وبساطة وبحسن تخلص ليقول لنا ما يقوله فنانون وكتاب قصة بشكل خاص ـ مثلا ـ من أن العمل الفني يصبح مستقلا عنهم ويحيا حياته الخاصة.. أو أنهم هم أنفسهم لا يستطيعون شرح كل ما يحمله. (رويترز)