احتفى نادي القصة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات مساء أول من أمس، بالفنان التشكيلي والصحافي المصري ـ ناصر عراق ـ روائياً، عبر قراءة لروايته الأولى «أزمنةمن غبار» قدمها الناقد الدكتور صالح هويدي بحضور حشد من أعضاء النادي وعدد من المثقفين والإعلاميين.

وأشار منسق النادي عبدالفتاح صبري في مستهل تقديمه للروائي والناقد، ان الرواية تحكي عن عائلة فلاحية نازحة من الريف إلى القاهرة، عبر ثلاثة أجيال «الأب، الابن، الحفيد» تعيش تفاصيل حياة اجتماعية يقربها وصف الروائي لها إلى التسجيلية أو على الرغم من أن الرواية ليست شخصية، إلا أن شخصية الابن «خالد» هي التي تمثل المساحة الأكبر.

وأضاف صبري ان الرواية بتفاصيلها وواقعيتها التسجيلية ورصدها لثلاثة أجيال تذكرنا بثلاثية نجيب محفوظ، خاصة أن العلاقة بين الأب والأم تتشابه، كما تتشابه العلاقة بين كمال عبدالجواد مع عايدة عند محفوظ مع خالد وسهى عند ناصرعراق.

وأكد صبري أن الرواية فيها الكثير من المميزات الفنية والتكنيكية في التعامل مع المقدمات والنهايات والمشاهد الدرامية والسيناريو، وسبر أغوار الشباب وعلاقاتهم وأحلامهم ومن ثم خيباتهم.

تقنيات السرد

مهّد الدكتور صالح هويدي لقراءاته النقدية بالحديث عن الرواية وعلاقته بالزمن من حيث الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وربط كل مرحلة بمعطياتها القارية وتحولاتها وعلاقة الرواية برصد ذلك، من حيث انهيار أحزاب وقيام أخرى وتحطم دول كبيرة لتصير دويلات وديولات، وارتباط كل ذلك بالأجيال الشابة التي رصدها الروائي وكتب عنها، وربما عايشها، ومن ثم أوضح أن ناصر عراق قدم لنا في «أزمنة من غبار» حالة الانكسار التي منها انطلق ليرسم بانوراما الإنسان في خضم الحياة ؟ جوانبها، وعواصف التبدلات التي ما زالت تجتاح الحياة المصرية ضمن العقود المتعاقبة، حيث أن الرواية اتكأت على كشف التاريخ الاجتماعي والسياسي لمصر في فترة من أخصب فتراتها حراكاً، ولجأت إلى الماضي الغريب لتكون مسياراً للبحث في عمق الأحداث، وبتأمل واضح لأهم التواريخ في مسيرة مصر الثورة وما تلاها من العدوان الثلاثي ونكسة 1967، وموت الزعيم عبدالناصر، ومن ثم حرب أكتوبر 1973 ومقتل السادات، وحرب الخليج وسقوط المعسكر الاشتراكي.

وفي رصد كل ذلك ـ يتابع د. هويدي ـ اتكأت الرواية على تقنية الهدم والتأسيس، المحو والبناء، كما نلاحظ ذلك في الرواية من خلال رصدها للثورة في مصر وما تلاها، والثورة والنكسة التي تعيق الانطلاق، ثم الثورة المضادة للمد القومي، وهكذا، زعيم قوي يحاول النهوض والتحرر وآخر يأتي ليدمر الأهداف بأهداف مناقضة، جيل يصعد وآخر يهبط، ثم يأتي جيل وكأنه يبحث عن نفسه ضمن هذا الاتجاه أو ذاك، فالرواية التي بدأت مشهديتها في صفحتها الأولى بسقوط تمثال «لينين» في الاتحاد السوفييتي، أبرزت في صفحاتها الأخيرة الجيل الثالث يقرأ كتاب «الدولة والثورة» للزعيم لينين الذي تدحرج رأسه «الحجري» في ذاكرة الأجيال.

إذاً ـ يؤكد د. هويدي ـ ما بين المحو والنهوض، ما بين المحو والبناء تستمر تقنية الرواية التي اعتمدت الكثير من طرق «الفلاش باك» في إضاءة الشخصية أو الحدث، كما اعتمد على المنولوج أحياناً في تسجيل بعض أحاسيس تلك الذاكرات أو بعض تداعيات تلك المواقف، عبر تتابع زمني للمراحل التي تناولتها الرواية للرؤساء «عبدالناصر، السادات، حسني مبارك» ورأي شخصيات الرواية ومعايشتها وتأثيرها وتأثيرها و... وبتلك المراحل، عبر تداعيات ومواجهات وأحلام وذكريات، في زمن روائي جاء متقاطعاً ومتشابكاً مع المكان والشريط الوقائعي والشريط التخييلي، ضمن فضاء واسع ومتنوع المناخات.

العام والخاص

مما يراه د. هويدي إضافة لتقنيات السرد، هو اهتمام الروائي ناصر عراق في روايته «أزمنة من غبار» بالمزج بين العام والخاص في إطار يخدم البناء الفني لإبراز التعالق الكبير بين الجو العام للمشهد الروائي وبين صيرورة الشخصية وحركتها في دويها اليوم الواقعي وهاجسها المتخيل، ليخلق حالة من الإبهام الفني تساهم، إما في الإيغال في الحالة، أو الكشف عن مدى التجاذب بين الخاص والعام. حتى في أشد اللحظات الحميمية، وهي ملاذ سري اعتمدته الرواية، ليس كشفاً للعلاقات الجنسية، بل ملاذاً للهروب من الإحباطات وترميز أيضاً للسرية التي وسمت بها بعض النشاطات السياسية المناوئة للسلطة، حين كانت تلجأ للخفاء هروباً من الضغط الأمني العام، لكنها تحقق أيضاً بعض الأمور الخاصة، وهكذا.

ويرى د. هويدي أن رواية «أزمنة من غبار» إذا كانت قد استخدمت في بنيتها الراوي السارد كيف كاميرا في مشهدية المكان والزمان وشواغل الشخصيات وحركتها الدؤوبة، فإنها اعتمدت على السرد التاريخي لوقائع الفترة الزمنية والحقبة الناصرية، ولكن أصابها بعض التقريرية حين توغلت في كشف الحالة أو وصف مشهدي أو توغل في تتبع حركة الشخصية وقارها وربطها بأحداث أو ذكريات، أو حتى بفكرة اتجاه المستقبل، وهذه التقريرية خفف منها أحياناً تشابكات الزمن وانتقاله الأفقي والرأسي بلا تراتبية، وبمعنى آخر انه لم يأت من الماضي إلى الحاضر.

وفي ختام مداخلته النقدية أشار د. هويدي إلى بعض الملاحظات على الرواية، كعدم وجود علاقة زوجية طبيعية، الناشر بالدراما التلفزيونية وإشكالية توظيف الجنس في المشاهد ومدى ارتباطها بالحالة والكثرة من التفاصيل التي لا تخدم الحدث أو الوصف وأكد على قدرة الروائي على السرد الحكائي واعتماده علي مهنته الصحافية وموهبته الفنية في ذلك، وقدرته أيضاً على التعبير وخياله الخصب في وصف الحالات الإنسانية ودواخلها من جهة، ووصف تفاصيل الأمكنة التي يستحضرها من ذاكرته من جهة ثانية، كما أكد د. هويدي على فضيلة الروائي في تسليط الضوء على القيم التي كانت سائدة في الأحياء الشعبية من شاهمة وحب الجار ومساعدة المحتاج.. الخ.

هذا ودارت النقاشات حول الرواية بدءاً من العنوان ودلالاته ورومانسيته وغموضه. وعلاقة الرواية بثلاثية محفوظ، وتأثير الروائي بالزمان والمكان أم تأثيره بالأعمال المقروءة. والواقعية التسجيلية وأثرها على ذلك، وعلاقة التفاصيل المملة المترهلة بالروائي أم بالبنية الروائية التي اعتمدها، وعلاقة كل ذلك بالروائي الفنان الذي يرسم المشهد ويكتبه أيضاً.. وقدرة ابن المنطقة أو المكان «شبرا» أن يكتب ويدون على ذكرياته وتاريخه وأحلامه وتصوراته بغير الواقعية التسجيلية، ومدى تأثر الروائي بنجيب محفوظ إذا كان هذا القالب الفني أي الرواية ـ ليس عربياً أصلاً.

الشارقة ـ محمود أبو حامد