لم تكن سوى قبضة طين تلك التي استحوذت على لب الفنان العراقي أوس البحراني لتتحول بين يديه إلى عالم من الجمال والسحر، فجداريات الخزف التي أبدعها الفنان تنطق بتاريخ حضاري يعيدنا إلى الرقيم الطيني الأول حين كانت حضارة سومر تؤسس للحياة وتسن قوانين المحبة والخير، وفي جداريات البحراني كانت الروح العراقية متجسدة بأجمل حللها فالطينة عراقية خالصة واليد التي شكلتها حملت إرث العراق وتاريخ أهله.

أقام البحراني معرضه الشخصي «تأليف وتوليف» في رواق الشارقة فأثار إعجاب الحاضرين وأعادهم إلى زرقة سماء العراق التي اختفت خلف غبار الحروب والموت، فقد كان لون الخزف العراقي الأزرق (الشذري) حاضراً بقوة في تشكيلات الشناشيل والشمس السومرية والنخلة العراقية والقباب والأهلة والحروفية والخيول التي توزعت على سبعة وعشرين عملاً إبداعياً ضم عدداً من جداريات الخزف ولوحات تشكيلية مازجت بين الرسم والخزف برؤية جديدة.

يتحدث البحراني عن بداية تعلقه بالفن ودخوله إلى عالم الخزف قائلاً (بدأ اهتمامي بالفن منذ وقت مبكر لذا اخترت الدراسة في معهد التراث للفنون الشعبية بعد المرحلة الإعدادية وقد كنت محظوظاً بوجود أساتذة من الفنانين الكبار الذين علمونا كيفية التعامل مع الخزف ونحن بأعمار لا تتجاوز السادسة عشرة،

وقد كنا نقوم بانجاز أعمال كبيرة بحجم متر مربع أو أكثر وقد كان من هؤلاء الأساتذة الأسطى سلمان والمرحوم مؤيد نعمة، لذا زاد تعلقي بأعمال الخزف وتشكيلها وكنت من العشرة الأوائل في المعهد، وبعدها أكملت دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة ولمرحلة الأكاديمية عرفتني على الأساتذة الكبار والرواد في مجال السيراميك

وقد استفدت كثيراً من الفنان ماهر السامرائي، والحصيلة النهائية أن دراسة فن الخزف لثماني سنوات متتالية أعطتني خزيناً كبيراً من المعلومات وصقل الموهبة والتمكن من التعامل مع خامة الطين، ومن جانب آخر كان لأهلي دور كبير في دعمي ومساعدتي فمنذ السنة الأولى في المعهد وفروا لي مشغلاً كاملاً لأعمال الخزف خصصوا له غرفة في البيت الأمر الذي جعل من الفن عالمي الخاص داخل المعهد وخارجه.

* المعرض يعكس صورة مشرقة وجميلة وتكاد تكون حالمة للرموز العراقية، ماذا عن الخراب الذي يجثم على روح العراق الآن، خاصة أنك قادم من هناك؟

ـ أنا لا أنتمي لهذا الخراب ولا يمثلني لذا لا أقدم الخراب في أعمالي، أريد أن أقدم العراق كما أراه وأتمناه، وأريد لأعمالي أن تبحث عن الجمال في وطني لتقدمه، وهذا ليس إنكاراً للوضع الصعب في العراق لكني لا استسلم له ولا أريده أن ينال من أعمالي، وأريد أن أقول ان العراقي حتى وقتنا هذا يستطيع إنتاج الجمال وتقديمه، لذا من الطبيعي أن لا تجدي انعكاس هذا الخراب في أعمالي.

* هل أنجزت أعمالك كلها في العراق وهل استخدمت خامة طين معينة؟

ـ جميع تلك الأعمال أنجزت في العراق، حيث وفرت مشغلاً مناسباً للظروف الصعبة أي وفرت فيه مولداً كهربائياً وكل ما يلزم لإنجاز العمل الفني حتى في أحلك ظروف الحياة، والطين عراقي من منطقة خان بني سعد التي يعد طينها من أفضل الخامات المناسبة للخزف، وأقوم بتحضير الطين بنفسي لأكون متأكداً من مكوناته وطبيعته، فتربة العراق تربة بلدي فهي أمانة عندي ولابد أن أقدمها بأجمل ما يكون.

* توجد في أعمالك رموز عراقية كثيرة، لكني أجدك تعمدت إدخال اللون الأزرق في معظمها فما السر في ذلك؟

ـ اللون الأزرق أو بالتحديد اللون الشذري هو لون الخزف الشائع في العراق وقد اخترته في معظم أعمالي لأنه يحمل عمقاً تراثياً عراقياً ويشكل عنصراً مكملاً للرموز التراثية في بلدي، وأنا أشعر أن جدارية الخزف هي امتداد لتراثنا،

فقد عرف العراق أعمال الخزف منذ خمسة آلاف عام وكل ما نقدمه من أعمال في هذا المجال هي امتداد لما قدمته حضارتنا لنا، لذا لابد أن تحمل تلك الأعمال بصمة حضارة العراق، وحين أدخل الرموز التراثية ورموز حضارة بابل وسومر لا يعنيني أن أقدم تلك الرموز فقط بل يهمني أن أقدم الناس الذين يقفون وراء تلك الرموز وقدرتهم على تقديم كل العمق والثراء الحضاري.

* تجسيد الخيول في جداريات الخزف يعد من الأعمال الصعبة فلماذا اخترته في أعمالك؟

ـ الخيل من أجمل الكائنات الموجودة في الطبيعة، وتجسيد صورتها في أعمال الخزف يعد من أصعب الأعمال فهو يحتاج دقة عالية وتقنيات عديدة، لذا أشعر أن انجاز جدارية ناجحة تحمل صورة الفرس دليل على قدرة الفنان وتشكل شاهداً على تمكنه من انجاز أعماله.

* وجدت لك لوحات رسم ضمن المعرض لماذا اخترت أن تضمها لمعرض الخزف؟

ـ كانت هناك ثماني لوحات رسم ضمن أعمال المعرض وهي لوحات للعمارة التراثية في الإمارات أدخلت عليها الخزف، وهي فكرة جديدة خطرت على بالي وأنا أجهز للمعرض هنا في دولة الإمارات.

* الجداريات تمثل معظم أعمالك لماذا؟

ـ أفضل عمل الجدارية لأني أشعر بالمتعة ففيها مساحة يمكن أن أمتد بها، وأنوع في تفاصيلها لذا معظم أعمالي من الجداريات.

* ما هي أكبر جدارية قمت بإنجازها؟

ـ أكبر جدارية قمت بإنجازها هي بوابة نجد من التراث السعودي الموجودة الآن في منطقة الخبر، ويبلغ حجمها 146 متراً مربعاً، وقد أنجزت في ظروف صعبة في العراق خلال شهرين.

* هل تتذكر أول معارضك الفنية وأول عمل احتفظت به؟

ـ أقمت أول معرض شخصي لي وأنا في السابعة عشرة من عمري وقد أنشأت وقتها قاعة للفنون أقمت بها حوالي خمسة معارض، أما أول عمل أنجزته في المعهد فقد كان مجسم لدجاجة طلب مني انجازه ضمن واجبات الدراسة ومازلت أحتفظ به حتى الآن.

* كيف تنظر إلى أعمالك وهل هناك ما تتمنى لو لم تنجزه؟

ـ كل أعمالي قريبة إلى نفسي منذ بداية مسيرتي أشعر أن كل عمل مكمل للآخر، وكل انجاز يقدم لي شيئاً جديداً ودافعاً للاستمرار.

الشارقة ـ دلال جويد