يعتبره النقاد أسوأ كوابيس مدافعي العالم حالياً، حيث ينجح دائماً في توجيه الضربات الموجعة لهم من حيث لا يتوقعون ومن دون رحمة، هذا هو فرانكو ريبري ذي الندبة القبيحة على وجهه. يقول عنه زميله ليليان تورام: «عندما تكون الفرق في غاية الاستعداد للمناسبات الكبرى مثل كأس العالم فبإمكان ريبري إحداث الفرق ولا حدود لما يمكن أن يفعله في المباراة».
ولفتت موهبته انتباه الأسطورة بيليه الذي وصفه بـ «اللاعب الكامل». أما الندبة القبيحة على وجهه فكانت بسبب تعرضه لحادث حركة سير عندما كان في الثانية من عمره بعد أن خرج رأسه من الزجاج الأمامي لسيارة والده. وهو معروف بحركته الكثيرة منذ الصغر إلى درجة أن زملاءه أطلقوا عليه لقب الحجر المتدحرج من شدة نشاطه، وواصل ريبري نشاطه بعد أن تحول إلى لاعب حيث لعب لخمسة أندية قبل أن يستقر مع مرسيليا الفرنسي.
وفرانكو ريبري مسلم مثله في ذلك مثل زين الدين زيدان، وإسلامه مصدر فخر كبير بالنسبة له وكذلك للجالية العربية المسلمة في فرنسا، وريبري متزوج من «وهيبة» ذات الأصول المغربية. وكان ريبري قد سرق الأضواء في المباراة الافتتاحية للمنتخب الفرنسي أمام سويسرا عندما رفع يديه شاكراً لله مثلما يفعل أي مسلم. واعتبر المسلمون في فرنسا أن تضرُّع ريبري هو علامة العز والفخر لهم جميعاً كون معظمهم جاؤوا من أصول عربية مسلمة.
كما يعتبر النقاد أن فرنسا لم تكن لتبتعد كثيراً نحو المقدمة في مونديال ألمانيا الأخير لولا الجهد الذي بذله القصير المكير فرانكو ريبري مع زملائه زيدان، فيرا، تورام، ماكيللي وتيري هنري، وإن اعتبروا ريبري الجندي المجهول والنجم الخفي في صفوف تشكيلة المدرب دومينيك.
لم يدرك ريبري أن اعتناقه الإسلام سيلفت كل هذا الاهتمام في وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية التي تابعت مشواره مع منتخب فرنسا في المونديال. ويعتبر ريبري أن إسلامه شأناً شخصياً وخاصاً ولا يرغب كثيراً في الحديث عنه علناً، حيث لا يعلم الكثيرون في فرنسا تحوّله إلى الإسلام.
ولا يعرف عن جناح فريق مرسيليا الأيمن ولاعب الوسط المميز كذلك ميله إلى الحديث إلى الصحافيين عن قصة تحوله إلى مسلم ملتزم، وإن شاع في الأوساط الرياضية أن لزوجته ذات الأصل المغربي الدور الأساسي والمهم في اقتناعه بالدين الإسلامي الحنيف. وعن ذلك قال في إحدى المناسبات النادرة: «حبي لوهيبة والتزامها بتعاليم دينها أقنعتني بالتحوُّل إلى الإسلام، وهو قرار لم أندم عليه أبداً حيث لم أشعر بمثل هذا السلام والطمأنينة من قبل».
وعندما طلب منه الإعلامي المزيد من الإيضاح، تمنى ريبري عدم الخوض في الموضوع، ثم اضطره أحد الصحافيين في مجلة «باري ماتش» الذائعة إلى التعليق عن إسلامه فقال: «الإسلام مصدر قوتي داخل الملعب وخارجه، والآن أمارس حياة مختلفة وأسعى دائماً للحصول على راحة البال».
وكانت مجلة «اكسبرس» أول من سرَّب خبر تحوُّل ريبري إلى الإسلام مطلع العام الماضي رغم أن المجلة لم تذكر اسمه تحديداً في خبرها الأول، بل ذكرت أن أحد عناصر منتخب فرنسا الأول قد اسلم ويرتاد أحد مساجد مدينة مرسيليا بانتظام. ومعروف أن آلاف الفرنسيين يعتنقون الإسلام سنوياً، لكن معظمهم لا يشهرون هذا التحول مباشرة.
وأكدت مصادر عدة أن فيليب تروسيه مدرب المنتخب الفرنسي السابق قد اعتنق الإسلام هو وزوجته «دومينيك» في العاصمة المغربية حيث يقيمان. كذلك نشرت الصحيفة خبر مساعدة ريبري فريق غلطة سراي التركي على الفوز في كأس تركيا موسم 2005 وأنه شكر الله علناً على مساعدته تحقيق هذا الإنجاز مع بلد مسلم كما ذكر.
كذلك قالت الأخبار إن نيكولاس أنيلكا زميل ريبري مسلم وأنه اضطر من قبل إلى اللعب في تركيا بعد مضايقات تعرض لها بسبب إسلامه، وهو الذي لعب من قبل لأندية باريس سان جيرمان الفرنسي وأرسنال اللندني وريال مدريد الإسباني ثم ليفربول ومانشستر سيتي في إنجلترا. والآن يقيم في فرنسا أكثر من ستة ملايين مسلم وهي الأقلية الأشهر للمسلمين في أوروبا.
وأعلن ستيف بادور الفاعل في منظمة «الشهادة» الفرنسية والتي تُعنى بتحويل الفرنسيين وغيرهم إلى الإسلام، أن تحوُّل ريبري إلى الإسلام مصدر فخر كبير للمنظمة. مضيفاً: «نعتبره مصدر فخر كبير لنا نسبة لسلوكه المنضبط والرائع بعد أن اسلم».
ابن بطوطة الكرة الفرنسية
لم تكن تجربة القصير ريبري في تركيا سعيدة، حيث لم يشارك إلا في 14 مباراة مع فريق اسطنبول قبل أن يقرر الرحيل إلى مرسيليا، وهناك أعلن أنه لم يتسلم رواتبه عن أربعة أشهر كاملة، أعقبتها أربعة أخرى مع فريق الساحل الجنوبي الفرنسي.
وكانت رحلته إلى مرسيليا هي السادسة بالنسبة له خلال خمسة مواسم، وهو ما جعله يحصل على لقب ابن بطوطة والمشاغب، كذلك توقع له النقاد رحلة سابعة على فريق آخر خلال صيف 2007، وكانت تجربته الأولى خلال مرحلة الشباب مع فريق بولونيا، اليز، ثم بريست وميتز.
الطريف أن ريبري كان قادراً على تقديم أفضل ما لديه مع كل فريق، رغم كثرة الانتقالات، وعن ذلك يقول زميله المهاجم الكبير تيري هنري: «أسلوبه في اللعب في غاية البساطة، حيث ينقل الكرة دائماً إلى الأمام نحو منطقة الخصم مع مقدرته على استخلاصها بسهولة عند اللزوم».
أما التحية العظمى التي نالها ريبري فكانت خلال مباراتي الدنمارك والمكسيك في المونديال، حيث كان اسمه هو الذي تغنى به الجمهور والشعب الفرنسي بأكمله، وعندها قال زيدان: «فعل ريبري كل ما يمكنه خلال هاتين المباراتين، وأعتبره تفوق في ذلك على بلاتيني وعليّ أنا شخصياً، وأنا سعيد جداً بمستواه وأتمنى أن يحافظ عليه».
خليفة بلاتيني وزيدان
يرشح النقاد فرانكو ريبري لخلافة كل من ميشال بلاتيني وزين الدين زيدان في قيادة المنتخب الفرنسي خصوصاً بعد أن أعلن زيدان اعتزاله عقب نهائيات كأس العالم 2006 في ألمانيا. وكان ريبري قد بدأ مسيرته الكروية مع فريق المدينة مسقط رأسه بولونيا ثم انتقل إلى صفوف كل من اليز، بريست، ميتز قبل أن يستقر به المقام مع فريق مرسيليا بجنوب فرنسا. وحصل مع مرسيليا على لقب أفضل لاعب في أشهر أغسطس، أكتوبر ونوفمبر موسم 2005 ما أسهم في اختياره ضمن التشكيلة التي شاركت في مونديال 2006.
ورغم تكرر المقارنة بينه وزيدان، إلا أن عدداً من النقاد يعتبرها سابقة لأوانها حيث زيزو في قمة عطائه وهو يصل محطته الكروية الأخيرة دولياً، وهو القائد والملهم لجيل كامل في فرنسا وتأثيره على الكرة الفرنسية واضحا للعيان ويصعب تعويضه.
ويعتبر المراقبون أن تأثير زيدان في الكرة الفرنسية أعظم بكثير من تأثير ميشال بلاتيني خلال حقبة الثمانينات حيث نجح في قيادة زملائه للفوز بكأس العالم وهو ما لم يفعله بلاتيني، رغم تألقه، فعل زيدان ذلك بعد أن ناشده الجميع وعلى رأسهم رئيس الجمهورية العودة للمنتخب ففعل بنجاح وكان صانع الفرح والهدف الثاني ومحرز هدف الترجيح الثالث في مرمى البرازيل.
وإطلاق اسم زيدان الجديد على فرانكو ريبري قد يكون مفهوماً مثلما فعل المدرب السابق إيميه جاكيه عام 1996 عندما أعلن أن زيدان هو خليفة المبدع إيريك كانتونا وأنه لولا عبقرية زيدان لما تألق كانتونا. والفرق الوحيد عام 2006 أن المدرب دومينيك لم يخطر أحداً أن اللاعب الجديد في تشكيلته أفضل من الجميع، وهو لا يطلق مثل هذه التصريحات عادة بل يعمل على بناء روح الفريق وإيصالها إلى الدرجة القصوى من دون ذكر أسماء.
وبالفعل أثبت ريبري أنه من معدن نادر، وعندما عانى المنتخب الفرنسي أمام منتخب إسبانيا الشاب، جاء ريبري من الظل كالشبح على ملعب هانوفر وسرق هدف التعادل في سيناريو كان بطله النجم هنري، الذي أدرك خلال تلك المباراة أنه وقع في مصيدة التسلل التي نصبها له الإسبان فابتعد إلى أطراف الملعب ساحباً معه عدداً من المدافعين، ثم لاحظ فييرا اندفاع ريبري من العمق فأرسل له التمريرة القاتلة ليرسلها بعيداً خلف الحارس المتقدم كاسياس هدفاً لا يُرد.
ثم أكد ريبري مقدراته مجدداً أمام منتخب السامبا المرعب الذي جاء إلى المونديال ولاعبوه الشباب غير مدركين لمقدرات زيدان وزملائه. ولم يستعد دفاع البرازيل لبراعة ريبري بما فيه الكفاية فأكلهم . وبعد نهاية المونديال، أعلن رييبري أنه أهدى كل هدف أحرزه لزوجته وملهمته وهيبة وطفلتهما الصغيرة. أما المدرب دومينيك فاعترف قائلاً: «لقد منحنا ريبري اللمسة الإضافية التي كنا في حاجة لها في المونديال».
تحت مرمى الأنديةالكبيرة
ريبري إلى أرسنال، ريبري إلى ليون، ريبري إلى مانشستر يونايتد، وجميعها أقاويل تطايرت مباشرة بعد أن انتهى المونديال ومواصلة فرانكو أداءه المميز في الدوري الفرنسي مع مرسيليا، الذي رفض بشكل قاطع إطلاق سراح نجمه الفذ. وكان ريبري قد أعلن بشكل متكرر رغبته في الرحيل وبالتحديد نحو فريق ليون، ثم تراجع عن رغبته معلناً أنه باقٍ مع فريق الساحل الجنوبي والمساهمة في إحراز البطولة الأوروبية معه.
وتابع أرسين فينجر مدرب أرسنال مشوار ريبري عن كثب ولمدة طويلة ساعياً لإقناعه بالانضمام إلى المدفعجية بمساعدة مهاجمه تيري هنري الذي تربطه صلة وثيقة بفرانكو. ولوّح ريال مدريد من جانبه بالمال الوفير لإغراء ريبري بالانتقال إلى صفوفه، من دون جدوى، بينما تابع فيرجسون الموقف عن قرب رغم أن مانشستر يونايتد لا يُعتبر ذي الحظ الأوفر بالفوز بخدمات ريبري، رغم أن أرسنال هو الفريق الأقرب إلى قلبه إلا أن مدير أعماله أعلن أنه رفض عرضاً من فينجر مقابل 10 ملايين جنيه استرليني.
وعن ذلك يقول برونو هايدلشيد مدير أعمال ريبري: «لم أجتمع بأرسين فينجر، لا في باريس ولا غيرها. ولم أتلق أي عرض منه حول ريبري لكني سمعت بأنه مستعد لدفع 10 ملايين جنيه استرليني مقابل خدماته؛ وسنرفض العرض إذا تقدم به رسمياً. كذلك راجت الشائعات حول رغبة ريال مدريد وبايرن ميونخ، لكننا لم نتسلم أي عرض رسمي منهما،
عموماً أولوية ريبري حالياً هي الاستمتاع بعطلته والاسترخاء، وطلبت اجتماعاً مع رئيس نادي مرسيليا لمناقشة مستقبله مع الفريق».أما بابا ضيوف رئيس نادي مرسيليا فقال: «لا مشكلة مع ريبري، وإن كنت آمل في بقائه ومشكلته هي مع الأندية التي تطلب خدماته».
محمد سيف النصر



