على مسرح الحمراء بدمشق تقدم «فرقة الرصيف» عرضها الجديد «حلم ليلة عيد» من تأليف وإخراج المسرحي التونسي حكيم مرزوقي وتمثيل نوار بلبل ورامز الأسود، والفرقة تنتمي إلى قطاع المسرح الخاص في سوريا، وكانت قد تأسست قبل عشرة أعوام من الآن، وقدمت العديد من الأعمال الهامة التي حازت على جوائز من المهرجانات، وإذا كان كاتب الفرقة المرزوقي عبر نصوصه المسرحية السابقة قد غاص في عوالم القاع واستنطق أحلام وهموم الناس البسطاء والمنسيين، ليجعل منها حوامل وروامز دالة على تلك التحولات الخطيرة التي اجتاحت القلوب والعقول في زمن العولمة، فإنه في العرض الحالي لم يخرج عن إطار هذه الشريحة الاجتماعية.
أبطال المرزوقي هذه المرة هما نموذجان معاقان: الاسكافي المقّعد شداد، وماسح الأحذية المقطوع الذراع أبو عرب، وهنا تبدأ أولى إشارات العرض ففي هذا التأكيد على الإعاقة الجسدية، تأكيد ضمني على حالة العجز واستكمال لقائمة التشوهات التي يعاني منها ممثلو هذه الشريحة التي اتسعت وتمددت في السنوات الأخيرة لتشمل غالبية سكان الأرض.
الاسكافي (نوار بلبل) شخص أميّ ينحدر من بيئة شعبية فقيرة، وقد وهبه أحد صحبه محلا ضيقا، تحوّل إلى مكان للإقامة والعمل واستقبال الصديق ماسح الأحذية (رامز الأسود) الرجل المثقف والشيوعي الذي دفعته الحاجة باتجاه هذه المهنة، وكلا الرجلين يتقاسمان حب فتاة تدعى تفاحة، وهذه الشخصية الغائبة بالمعنى المادي عن العرض، حاضرة بقوة عبر الحوار، فهي التي تحرك الانفعالات والأحلام، وهي التي تشعل فتيل الغيرة لدى الطرفين.
الرقعة الجغرافية لم يحددها الكاتب، لكن يمكن الاستدلال عنها عبر اللهجة الشامية، والزمن معاصر، وهو ذلك الذي يضطر فيه المثقفون كي يأكلوا لأن يبيعوا مكتباتهم على الأرصفة التي امتلأت بكتب همنغواي وتشيخوف وألف ليلة وليلة وغيرها من أمهات الأدب التي تداس بالأحذية وتلطخ بالطين، أو فلنقل إنه زمن بلا ثقافة أو مثقفين، إنه زمن التجار والجائعين.
الحوارات المتدفقة بين بطلي العرض تثير التداعيات التي تفتح صفحات من ذاكرة الطفولة والشباب، وتفصح عن حجم المعاناة والألم، وترسم معالم الحب والحلم اللذين يتشارك فيهما الطرفان، حلم بالسفر إلى خارج البلاد، إلى أي مكان يضمن الحرية الشخصية، المأوى، ولقمة العيش، والعاشقان بانتظار رسالة تأتي من الحبيبة تفاحة التي تعمل خادمة في بيت أحد السفراء الأجانب، تفاحة بعلاقاتها الواسعة سوف تؤمّن عملا للعاشقين، أبو عرب سوف يلمّع أحذية السفراء والوجهاء، والآخر سوف يكون حارسا ليليا لحمايتهم من اللصوص والإرهابيين، وهنا أيضا يبرز الرمز قويا للدلالة على تدويل عبودية الشعوب الفقيرة لصالح الغرب.
يقع العرض في قسطه الأكبر في محل الاسكافي، ويدور حول انتظار رسالة تفاحة ولحظة تحقق الحلم واستكمال إجراءات السفر، لكن المشهد النهائي جاء انقلابيا، حيث نكتشف أن تفاحة معتقلة في سجن عدرا، وأن ورثة المحل يطالبون به، مما يضطر الرجلان إلى مغادرته والانتقال إلى إحدى مقابر المدينة، حيث يبيعان الآس ويترحّمان على الموتى في المشهد الأخير.
إذا كان للمرزقي تجربة طويلة في مجال الكتابة المسرحية تعود إلى أكثر من عشر سنين خلت، فهذه هي تجربته الإخراجية الأولى، وقد أرادها ان تقوم في إطار المسرح الفقير الذي يعتمد كثيرا على أداء الممثل، ويصوغ فضاؤه بأقل الأغراض والديكورات الممكنة ليفصح عن حالة العدم والعجز والاحباط التي يفترضها النص.
دمشق ـ تهامة الجندي
