في لقاء متجدد على مائدة الفكر والأدب نظمت رابطة أديبات الإمارات أول من أمس بمقرها في المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بالشارقة قراءة نقدية ضمن نشاط ملتقاها الأسبوعي، وكان ضيف قراءة المساء الأدبي رائد الفكر والثقافة والأدب صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة عبر عمله البحثي الممنهج (الحقد الدفين).
قامت بإعداد القراءة التحليلية النقدية وتقديمها الأديبة التونسية ريم العيساوي، تناولت فيها أهم المفاصل التاريخية والفنية. مستهلة قراءتها بالتفاتة إلى حجم الكتاب الذي لم يتجاوز 64 صفحة من القطع الصغير وهو على الرغم من ذلك يندرج ضمن أعمال سموه الأدبية الأخرى والمسرحيات التي أسس بها مشروعه الإحيائي النهضوي.
وهو في (الحقد الدفين) قام بالعودة إلى مراجع ومخطوطات كثيرة عكست كم العناء المصاحب من أجل التحقيق في الوثائق التي رصدت لأوضاع سادت بين الشرق والغرب في مرحلة تاريخية غمضت على الكثيرين، وما قام به سموه كان بهدف تقديم رؤية استشرافية لعكس الواقع وهو ما تحقق من سياق هذا العمل لأحداث وقعت في القرن 15 لكننا اليوم نعيش الأحداث نفسها ونحن في القرن 21 وكأن التاريخ يعيد نفسه.
إضافة إلى كون العمل رداً على السيرة الذاتية للبوكيري التي صدرت في أربعة أجزاء لذلك الطاغية الذي قتل أهالي الدول الإسلامية ومنها أهالي مدينة خورفكان. كما لفتت العيساوي إلى أن حجم الكتاب الذي أدرجته ضمن الكتب الروائية صغير لكنه يحمل ثقلا فكريا وسرداً للأحداث التاريخية ابتداء من وصول البرتغاليين لساحل الخليج من أجل فتح مدينة هرمز مؤكدا فيه على رؤيته حول موجة العدوان المستمرة حتى يومنا هذا.
ذلك العدوان الذي بدأت أحداثه من القرن 14 منطلقة من القصر الملكي في لشبونة بالبرتغال. حيث أفرد الفونسودي بوكيري الشخصية المحورية في البحث العلمي الذي بدا كمذكرات لتاريخ الاستعمار البرتغالي للخليج العربي. كما أرخ الكاتب في عمله وصول البرتغاليين للساحل الإفريقي حيث مهدت هذه الحركة الطريق للرحالة فاسكو دي جاما بعد ذلك ليكتشف ممر رأس الرجاء الصالح.
هذا إلى جانب إبراز العديد من الشخصيات من خلال السرد خاصة في ما يتعلق بالعلاقات التجارية مع جلفار وعمان وغيرها من المناطق يدلل على ذلك وصف الكاتب لرسائل الحكام وما تضمنته من مجريات الأحداث في المنطقة مما يعكس محاولات السيطرة على الخليج بوضع قواعد في المنطقة للبرتغاليين تعزز سيطرتهم وأهدافهم الاستعمارية
مما عزز شوكتهم ورفع صداهم عالميا؛ يأتي ذلك في إطار سرد أدبي بهدف إبراز القيمة الفنية للعمل من خلال التوثيق للحملات الاستعمارية، حين يتجلى الجانب الأدبي في العمل من خلال القائد الرئيس حامد وغدر البوكيري بشخصية حامد في نهاية السرد لتتحقق للعمل قيمة أدبية عالية؛
خاصة مع ما يوثق بالدليل المؤكد بأن غلبة البرتغاليين لم تنم عن ضعف المسلمين وقتها وإنما تحققت بسبب الغدر الذي وضع في إطار السياسة التي غلفت بنية السيطرة على المنطقة، يكشف عن ذلك وثيقة مهمة تضمنها العمل التوثيقي إلى جانب ما دونه الكاتب من تفاصيل توجت الوجود البرتغالي.
يذكر أن الحقد الدفين طبع العام 2004 ضمن مؤلفات سموه التي تؤسس مشروعه الإحيائي لتاريخ نضال الأمة العربية وصراعها البطولي ضد الأعداء وأي هجمة استعمارية تحاول المساس بعنصر من عناصر هويتها. جاء العمل في صفحات قليلة ذات قيمة توثيقية وتاريخية كبيرة يروي فيها الكاتب قصة الحملات البرتغالية المشحونة بالحقد والكره للإسلام والمسلمين على أيدي الساسة البرتغاليين، وتؤرخ للحروب الصليبية على المسلمين امتداداً من شمال إفريقيا إلى مصر وانتهاءً إلى الشرق.
برزت في في سياق المتن شخصية البرتغالي الفونسودي بوكيري الذي قاد الحملات الشرسة على الشرق وقد كان يراوده حلم هدم الكعبة الشريفة ونبش قبر الرسول صلى الله عليه وسلم ،وكان يراوده ايضاً تحويل مجرى نهر النيل من أثيوبيا إلى البحر الأحمر لتصبح مصر بعد ذلك صحراء قاحلة فيسهل عليه احتلالها وتكون قاعدة له تؤمن طريقا للسيطرة على الشرق؛
لكن الله سبحانه وتعالى هزمهم كما هزم أصحاب الفيل بعاصفة أخرجتهم من البحر الأحمر إلى ساحل القرن الإفريقي. ولكن ذلك لم يُنجِّ مدنا عديدة ببلاد الشرق من حقده؛ فقد هدم مدينة زيلع ومدينة هرمز وقصف المدن الكثيرة والقرى وقتَّل خلقا كثيرا، واعتبر الكاتب أن تلك الهجمة العدائية موجةٌ أولى لعداء وحشي ما زال مستمراً إلى يومنا هذا.
يؤكد هذا العمل بأن صاحبه يحمّله مشروعا نهضويا إحيائيا لحاضر أمتنا وإصلاح ما أفسده التاريخ وما عبثت به الأقلام كما حمله قيما أصيلة تغذي نفوس الناشئة بالروح المخلصة الصادقة لأمتنا وتاريخها النضالي في سبيل رد الأعداء الطامعين، كما استطاع هذا العمل ان يوائم بين التاريخ وحقائقه الدقيقة،
وبين السرد القصصي وما فيه من متعة للمستقبل مواءمة فيها من التناغم والتشويق. وفي سياق تلك المعطيات الدالة هناك تجسيد للمعمار الجميل والبناء الذي ينم عن الشموخ مما يعني أن حضارتنا حضارة زاهية لابد من التمسك بها وإحياء كل ما هو جميل في تاريخنا.
كما أكدت الباحثة في نهاية عرضها، على أن هذا العمل الأدبي يستحق القراءة النقدية الفاحصة باعتبارها وثيقة تاريخية مهمة ذلك لأن التاريخ ومنذ ذلك الوقت ظل صفحة غامضة على البعض، وهو الهدف الذي يسعى سمو الشيخ الكاتب على كشفه.
كما أكدت ريم العيساوي على ضرورة فصل الجانب الأدبي الإبداعي عن الجانب التاريخي التوثيقي وكلاهما من الأهمية بمكان غير أن الأخير كان الوجه الظاهر بوضوح في العمل البحثي المقدم لكنه لا يخفي الوجه الإبداعي الأدبي.
فاطمة محمد الهديدي

