بلغ المسرح العربي ذروة تقدمه في الستينات بعد نضوج تجربة جيل الخمسينات، وانتعاش الحركة الفكرية بوجود المشروع القومي الذي كان يشمل كل بلدان الوطن العربي بكافة الاتجاهات الفكرية. ونهضة المسرح الستيني لم تكن قاصرة على المسرح العربي في مصر إنما كانت نهضة شمولية شهدتها كل المسارح العربية تقريباً. وخاصة في سوريا، والعراق، والكويت، ودول المغرب العربي، إضافة إلى الساحة الأم مصر.
غير أن الأوضاع بشكل عام لم تستمر على وتيرتها، وتقدمها وسرعان ما انتكست كل التجارب بهزيمة العرب الكبيرة عام 1967، والإحباط الذي شعر به المبدع العربي بعد أن أدرك سقوط مشروعه الفكري والقومي، إلى جانب تفاقم أشكال الحكم الاضطهادي العسكري الذي سيطر على الكثير من البلدان العربية تحت مسميات الثورات التصحيحية أو غيرها والتي توالت لتحجم الحريات وتضطهد المفكرين الذين سرعان ما هجروا مواقعهم إلى أماكن جديدة أكثر أمناً نسبياً وبعيداً عن بؤرتهم الثقافية المؤثرة.
وكانت الساحة المسرحية المصرية هي المعول عليها في كل الأزمنة الحديثة، غير أن هذه الساحة تعرضت أيضاً لهزات عديدة، وعانى مفكروها وفنانوها من الاضطهاد والقهر، ربما عاشه البعض منا، وتلمسه عن قرب، خاصة ما حدث في النصف الثاني من القرن الماضي، واضطرار مجموعة من المبدعين من الهجرة ليس من مصر فحسب بل ومن العراق وبلدان أخرى حتى عانت ساحاتنا الثقافية بشكل عام إلى ظاهرة الهجرة الجماعية،
وهروب العقول والكفاءات دون وجود محاولات لتحسين هذا الواقع السياسي - الفكري - الذي ينعكس بالضرورة على الفكر الثقافي، المسرحي، الإبداعي. هذا الغياب الذي شهده المسرح العربي للمسرحيين العرب قد ولد فراغاً واسعاً أمام ما يسمى (بالمسرح التجاري) وتخريب الذائقة عند المتلقي من خلال المسرح السطحي الساذج، دون أن نستطيع كمسرحيين إصلاح الأعطال التي ولدت أعطالاً وأعطالاً.
وإذا كان ثمة أسباب لهذا الانحسار تتعلق بالحريات والفكر بشكل عام، فإن أسباب أخرى تضاف إلى هذا السبب الرئيس مثل سيطرة التلفزيون. توقف العديد من المهرجانات المسرحية العربية الهامة. وعدم وجود اهتمام حقيقي بالمسرح من جهات الدعم المادي والمعنوي، وعدم استفادة المسرحيين من التقدم التقني الذي شهده العالم المعاصر وتوظيفه للإبداع المسرحي، مما جعل المسرحيين العرب يراوحون خلف الكواليس، ويعلقون انحسارهم على شماعات اليأس والعجز.
لذا وإزاء هذه القراءة السريعة لحال المسرح العربي المعاصر، والأسئلة الكثيرة التي يمكن أن نستنبطها دون وجود إجابات عملية بحجم التراجع الذي عاشه المسرح العربي عبر العقود العربية الماضية من عمره: ما الذي يمكننا كمسرحيين أن نفعله لنجتاز عنق الزجاجة، الإجابة ليست جاهزة.. إنما على خشبات المسارح في كل أرجاء الوطن العربي.
والحالة المسرحية العربية ليست سوداوية متشائمة، وليست الحلول مستحيلة.. إنما وبلا شك هي صعبة.. ولا بد لنا من خوض الصعاب.
abdulelah_q@hotmail.com