يطل الفنان المصري عادل السيوي على مدينة دبي من الطابق التاسع في فندق فيرمونت بوجوهه الخاصة وألوانه المغايرة ونظرات تلك الوجوه المتجاوزة للمألوف والمثيرة للأسئلة، يطل بتجربة جديدة عبر نحو خمس وعشرين لوحة تعرضها صالة «آرت سبيس» بالتعاون مع مشاريع قرقاش في الثامنة من مساء يوم الثلاثاء 13 فبراير.
يعد عادل السيوي من الفنانين العرب الذين ساروا في منحى تشكيليا محددا واشتغلوا عليه بإخلاص بحثاً وتجريباً ومثابرة، ورغم سطوة اللحظة الراهنة لكنه لم يتوقف، فمنذ ترك عالم الطب بعد تخرجه بثلاث سنوات لم يتوقف عن البحث، مهموم بفكرة البصر والعين وحضورها في الثقافة العربية، ورحلته مع فن التصوير واكبتها الترجمة لتوصيل هذه الفكرة .
حيث كرس نفسه لنص كبير هو (نظرية التصوير) لليوناردو دافنشي، وصدر الكتاب في الثمانينات، ومن ثم اختار نصا لبولكليه باسم نظرية التصوير، و استكمل مشروعه وترجم الكتاب الثالث وهو اللحظة الراهنة، وتابع بحثه وترجماته حول ما يكتب في الغرب عن العين وعن اللوحة وعن البصر، محاولا الرد على تساؤلات من قبيل:
هل حدث انقلاب في الفنون البصرية في الألفية الجديدة؟. ولم يتوقف الأمر على تعدد الاهتمامات والمجالات، بل تعددت عند السيوي الأساليب أيضاً تعددُ الأساليب التقنية جليٌّ في لوحات توسلّت «الوسائط المختلطة» إذ تجاورَ الزيت والفحم والأكريليك والباستيل والألوان المائية والصبغات فوق فضاء من التوال أو الورق أو الخشب.
وتعددت كذلك الطرائق الأسلوبية. فلوحاتٌ تحمل رمزا معادلا لشخصية اللوحة، وأخرى يكون اللون الصريح الخالص هو البطل، فيما أخرى تشفُّ ملامحُها وتخبو كأنما وراء غلالة رقيقة من الحرير، جاء بعضها بملامح من الماضي وبعضها حضر المعرض معنا.. وثمة قاسم مشترك يربط بينها جميعا، هو تلك «النظرة» التي تحمل الكثير من الرسائل، وتثير العديد من الأسئلة .
وجوه عادل السيوي التي تبدو إنها تشبهه وتشبهنا وتشبه صوراً عرفناها ونسيناها أو صور نشاهدها كل يوم، يقول عنها السيوي : أعتقد أن التجربة هي إعادة إنتاج النفس في الوجوه المرسومة، حيث يحدث تماس كأنها لعبة تبادل أدوار، هو آخر غيري أم هو أنت في لحظة ما؟. قال البعض نحن نراك في كل وجه رغم أنك لم ترسم نفسك، هذا هو ما أريده، وهكذا تستحق اللعبة أن نشعل لها شمعة، هذه اللعبة لحظة خاصة ومتعتها كبيرة وبها خروج عن الوعي وإعادة شحن وتستطيع بعدها أن تقابل الدنيا.
إن الفنان عادل السيوي في أعماله يقبض على لحظة كشفية، يستبطن صوره، يبذل جهداً ضخماً حتى يفلت من مكتسبه الإبداعي كمصور محترف منذ أواخر السبعينات وحتى الآن، أفلت من مرجعياته وانطلق صوب ماضٍ تواري خلف الانهيار الكامل لمنظومة القيم الإبداعية والإنسانية، ركض الفنان وراء حلم سرق منا، لمح شعاع الضوء المنسرب من ماضيه الجميل، أغوته نداهة العشق، فأسقط عليها ضياع الحلم.
وضياع الهوية، أراد أن يعيد للشخصية المصرية روحها الضائعة من خلال رموز كمنت في الضمير الجمعي للأمة، حاول أن يخاتل المتلقي ويسرقه من واقع قاهر ليلقي به في بهجة الألوان ودفئها، يقرب له صوراً للأحبة، يوازن بين عقله ووجدانه، فحين نستدعي وجوه ذلك الزمن لابد أن نستدعي روحه، لذلك فلعبه ليس بريئاً تماماً، ليس منفلتاً من معلوماتية ومعرفية الفنان المثقف صاحب وجهة النظر والأيديولوجيات، لهوه تمّ ببراعة وذكاء حتى يبدو غير مقصود، لهو قدم جداريات صغيرة علي حوائط الأمل التي هدها التعب، ليملأ المساحات الفارغة في الروح، وهذا يدل على اكتمال ونضج مشروع عادل السيوي الإبداعي، فالفنان حين يكتمل مشروعه الإبداعي يبدأ في اللهو واللعب، واستعراض مهارات الإبداع المتميزة.
تخرج عادل السيوي من كلية الطب عام 1967، ثم درس الفن بالقسم الحر في كلية الفنون الجميلة، ثم سافر إلي إيطاليا، وعاد إلى القاهرة ليبدأ مشروعه الإبداعي بأول معرض جماعي قدمه في المعهد البريطاني بالقاهرة عام 1993، وبعدها توالت المعارض الجماعية والفردية، اشتغل خلالها على النجوم الذين لملم ملامحهم المخاتلة من ذاكرة جماعية جعلتهم أيقونات للفرح، وأقام لهم كرنفالهم الخاص في تلك المعارض، ومن ثم خاض تجربة الوجوه التي يقدم مرحلة جديدة منها في معرضه هذا في صالة «آرت سبيس» والذي سيستمر حتى الثامن من مارس.
دبي ـ محمود أبو حامد