أكد الكاتب جمال الغيطاني في ندوة عقدها نادي القاهرة لمناقشة رواية «ظل الأفعى» للدكتور يوسف زيدان أستاذ فلسفة التصوف أن أحداث الرواية التي تقع في مجملها خلال ليلة واحدة تأتي في إطار نص أدبي يستوجب التوقف أمامه، حيث إنه يتكون من نسقين الأول يتسم بالحكي للعلاقة شديدة الخصوصية بين الزوج «عبده»، والزوجة «نواعم»، والتفاصيل الحسية شديدة الواقعية، التي فاجأ الكاتب القارئ بها .

موضحاً أن هناك ما يجعل قارئ الرواية يشعر بأن هذه العلاقة ليست حسية، وأن ثمة شيئاً أكبر يلوح من خلال الإشارات والإيماءات العديدة، سواء التي تتعلق بالأنثى التي هي الموضوع أو في مسار العلاقة ذاتها، أو موقف الزوج من هذه العلاقة، نتيجة رفض الزوجة له وتمرده عليها في النهاية.

وأشار الغيطاني إلى أن النسق الثاني في الأسلوب الروائي، الذي اتبعه المؤلف مغاير تماماً للجزء الأول سواء في البنية والتركيب، حيث يفاجأ الكاتب قراءه بعد وصفه التفصيلي الدقيق للعلاقة الحسية ما بين الزوجين، وكأنه يفتح لهم نافذة داخل هذه الأنثى، وذلك من خلال الرسائل التي أرسلتها أمها إليها في الفترة، التي كانت تعيش فيها في كنف جدها الذي منعها من رؤيتها، والتي لا تزال تتلقاها بعد زواجها.

وهي تفيض بالعاطفة الجياشة تجاه ابنتها، وان هذه الرسائل جاءت مباشرة وهو ما يعد مضاداً للعمل السردي، وان الكاتب تمكن في حنكة ومهارة وتلقائية شديدة أن يشعر القارئ بأنه أمام عمل فني متكامل استخدم فيه تقنية جديدة غير مألوفة، حيث استخدم حيلة فنية تعددت فيها المستويات اللغوية الثقافية العالية، نظراً لأن الأم هي سيدة حاصلة على الدكتوراه في الأنثربولوجيا، وكذا ابنتها التي تعمل في مجال الترجمة.

وانتقد الغيطاني مؤلف الرواية لكونه أثقل النص بالاستعارات على نحو الإشارة إلى «عشتار» كرمز للأنوثة، و«أوبرا كارمينا بورما»، والتي لا يكف الكاتب ذاته عن سماعها ويكاد أن يحفظها عن ظهر قلب، والتي تتردد أنغامها عبر صفحات الرواية، مشيراً إلى أن الرواية تتضمن تفسيرات حول رؤية الكاتب للأنثى، يبدو ذلك جلياً من خلال احتواء روايته على كم هائل من المعلومات التي تتعلق بالأفعى الأنثى خاصة وأن تلميحات الكاتب غاية الذكاء تؤكد في مجملها إدراكه التام بعالم الأفاعي.

وأن هذا كله يجعل القارئ يشعر وكأنه أمام دائرة معارف صغيرة في معرفة الأنثى، وما يتعلق بها في التراث الشرقي القديم، متناولاً في عمله قضية قداسة الأنثى والتحولات الثقافية الدرامية في صورة المرأة في أذهان الثقافات السائدة حالياً في المنطقة العربية، وتداعيات هذه التحولات في ثقافتنا المعاصرة، وذلك من خلال العلاقة شديدة الخصوصية ما بين بطلة الرواية نواعم وأمها الحاضرة الغائبة، وكذلك العلاقة شديدة التعقيد بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا الشرقية.

شاعرية ملموسة

فيما أشاد الناقد د. سامي خشبة بالرواية قائلاً: تمتاز بالشاعرية الشديدة والتي تبدو في الكثافة والتركيز الشديد للجمل والعبارات أو في الاستشهاد بالشعر وبعض نصوص أناشيد الديانات الوثنية القديمة، وكذا ربات الحضارات القديمة علي نحو «عشتار» و«عشتروت»، «إيزيس» و«حتحور».

إضافة إلى قدرة المؤلف على نسج مادة الرواية بحنكة وحرفية بدت في دقة البناء السردي، الذي يتحلى بالعبارات القصيرة الموجزة، والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة في أجزاء أخرى من الرواية، والتي تبدو بداية في حديث الزوج «عبده» مع صديقه، وغضبه من زوجته التي ترفض العلاقة معه، فأشار عليه بشراء قطعة من الحشيش ووضعها في غرفة النوم حتى يتم تخدير الزوجة، ومن ثم يمكن له أن يفعل بها ما يشاء.

لغة نثرية

أما الناقد فيصل الحفيان، فيرى أن الرواية أثارت إشكاليات عديدة، وأهمها الألفاظ، والتراكيب اللغوية المختلفة في بعدها الصوفي الحسي، المجازي، الضمني، من خلال لغة نثرية ذات موسيقى شاعرية مؤثرة ومدلول صوفي وأن هذه اللغة الميتافيزيقية جاءت انعكاساً للتكوين الثقافي والفكري والمعرفي للكاتب، وقراءاته في التصوف، الفلسفة، التراث وكذا تأثره باللغة التراثية، التي نشأت في أحضان القرآن، حيث نجده يستشهد بالعديد من الإشارات القرآنية إضافة إلى استشهاداته المتعددة بالمأثورات والأمثال الشعبية، وقدرته الفائقة على توظيفها في السياق العام للرواية، ربما لشعوره إنها الأقدر على التعبير عما يريد.

وخلص الحفيان إلى أن تميز هذه الرواية جاء، كنتيجة مباشرة لتحول الفلسفة اللغوية والقصيدة الفلسفية والصوفية إلى نوع من المعرفة البسيطة القريبة إلى ذهن وفهم القارئ مما يشده إلى متابعة الحدث والاستمتاع به لإصرار الكاتب على أن يكون نصه موازياً للعمل الأدبي، وأنه لا يقل أهمية عن النص المكتوب، وكأنه أراد بذلك أن يؤسس بهذا العمل لطريق جديد لم يسلكه أحد من قبله ليثبت لذاته، والآخرين تمكنه من أدواته الفنية في هذا الحقل الذي اختاره.

القاهرة ـ نهال قاسم

(وكالة الصحافة العربية)