يُحسب للجنة المنظمة العليا لخليجي 18 التي انفضّ سامرها قبل أيام قليلة الكثير.. ويُحسب عليها القليل.. والكمال لله وحده. وما يُحسب لها أنها راهنت مما راهنت عليه، دعم العائلة الإماراتية صغيرها وكبيرها، وأثبتت العائلة الإماراتية أنها عائلة واحدة.. في بطولة واحدة، وخلف منتخب واحد.
كان الشباب الإماراتي كعهدنا بهم دائماً، لم يقصّروا في مؤازرة الأبيض، أما ان تشد العائلة بما فيها من أخوات وأمهات الرحال مبكراً إلى ملاعب البطولة، فهذا من البركات الجديدة والسعيدة في هذا الوطن الغالي.
كنا قد سمعنا «أم خمّاس» التي أبدع لنا شخصيتها المواطن الموهوب محمد سعيد حارب (من شابه أباه فما ظلم)، وقد اقتحمت أهزوجة المشجعين عبر شاشة التلفاز والمذياع لتنافس «خالد حرية»، وأنا شخصياً كنت أتوقع أن يظهر «كاريكتر» أم خمّاس في الملعب كما يظهر حرية ورفاقه من رؤساء وأعضاء روابط المشجعين، بيد أنه في حقيقة الأمر ظهر لنا الكثير من أمهات خمّاس.. وأمهات سعيد، وموزة، ومريم، وفاطمة، وعائشة، وزينب، وغالية، وعايدة، وشمّة.. وغيرهن بالعشرات من بنات الوطن، بل المئات والآلاف.
مرّت البطولة بأيامها، حلوها ومرها، فكانت الأخوات يتوشحن علم الإمارات، والأمهات لا يكتفين بالدعاء، بل بالتشجيع الحي والمباشر بدءاً من السلام الوطني: عيشي بلادي، عاش اتحاد إماراتنا..
الحناجر الناعمة لم تهدأ، ولم تسكن، بل واصلت تشجيع «اسماعيلينو» ورفاقه على مدار شوطي المباراة.. ومع كل هدف كانت الزغاريد تنطلق من الحناجر الطيبة.
همّة.. وحشمة
الشيء المؤكد أن هتافات بنات الإمارات، جاءت مطرّزة بالروح الأخوية الرياضية، بالانتماء الوطني العميق، وبتحية أهل الدار.. عيال زايد وشحذ هممهم، وتحية أشقائنا عيال الديرة الخليجية.
ولم تسع العائلة الإماراتية إلى تحقيق فوز رخيص، أو بفعل فاعل، أو بمساعدة حكم ضعيف، كي يحتفل به، بل تمسكت بالروح الأخوية وبالمشاركة قبل الفوز ومن أجل الفوز، وبغية الفوز بجدارة وعن همّة واستحقاق مبين.. هذا من حيث الجوهر.
أما من حيث الشكل، فلم تفقد فتاة الإمارات ولا أخواتها ولا أمهاتنا شيئاً من الحشمة، في المظهر أو اللباس المحتشم.. فالحشمة قيمة أصيلة ونبيلة من قيمنا العربية والإسلامية التي نتمسك بها.. «شيلة» على الرأس، وعباءة وثوب محتشم.. ويد تحمل علم الإمارات وصوت يصدح بحب الإمارات.. وطناً غالياً وعزيزاً.. ولسان يبتهل إلى الله بالدعاء لهذا المنتخب الذي لم يقصّر بأن يكون الفوز حليفه، وكان دعاءً مستجاباً والحمد لله.
والحق يُقال.. إن العديد من العائلات العربية الشقيقة المقيمة على هذه الأرض الطيبة، حرصت على التواجد في الملعب إلى جانب العائلة الإماراتية تشاركها همّ البحث عن الفوز وبلوغ منصة التتويج وفاءً وعرفاناً من أشقائنا العرب لهذه الأرض الطيبة التي احتضنتهم، وعرفاناً بالجميل لقيادتنا الحكيمة وشعبنا العربي الأصيل ومشاركة من الأشقاء في إنجاح هذا العرس البهيج من البداية وحتى النهاية.
قالوا لـ «البيان الرياضي»
حرصت العديد من العائلات المواطنة والعائلات العربية المقيمة التي وقفت معاً تشجع «الأبيض» بشكل منقطع النظير لتعبّر عمّا تعتمل به صدورها من محبة للمنتخب باعتباره رمزاً وطنياً، ويصبّ في حب الوطن وإعلاء شأنه.
تقول أم سعيد: ذهبت إلى استاد محمد بن زايد بنادي الجزيرة لمؤازرة منتخبنا أمام شقيقه السعودي، وحرصنا على الذهاب هناك منذ وقت مبكر جداً حتى نضمن لنا مكاناً نجلس فيه، وحينها لم نكتف بالتصفيق لهدف الفوز، بل كنا طوال الوقت نشجع وندعو الله أن يوفق لاعبينا.
من جانبها، قالت مريم ناصر، وهي طالبة جامعية: في البداية لم أكن أتصور الحضور إلى الملعب، لكن بعدما علمنا أن اللجنة المنظمة خصصت أماكن للعائلات تشجعنا، فكنت أذهب مع رفيقاتي وشقيقاتي إلى مباريات المنتخب لنشجعه، لا سيما وأن كلا منها كانت بمثابة عرس وطني، وحتى المباراة الأولى على الرغم من الخسارة فيها إلا أنها لم تنسينا عرض الافتتاح الرائع الذي أشاد به الجميع وعبّر عن التطور الحضاري الذي تشهده الدولة في كل المجالات.
حضورها دلالة على مكانتها
علّقت أم علي على الموضوع قائلة: إن حضور فتاة الإمارات إلى الملعب يدل على مكانتها في المجتمع.. وكيف وفرت لها قيادتنا الحكيمة ودولتنا المعطاءة الفرصة لتكون إلى جانب أخيها الرجل، وأنها قادرة على المساهمة في رفعة شأن بلادها. وتضيف: المعنى أكبر من الفوز والخسارة، المعنى المقصود بهذه المشاركة أن النصف الثاني من المجتمع لم يعد نصفاً معطلاً، بل هو نصف قادر على القيام بواجباته أسوة بقدرته على نيل حقوقه.
وتحرص رانيا عمر وهي أردنية مقيمة في الإمارات على التأكيد على الوفاء والعرفان لهذا البلد الغالي الذي تعيش فيه مع زوجها وأولادها منذ 15 عاماً، مضيفة: أولادي جميعهم تربوا هنا، وهم يعرفون أسماء لاعبي المنتخب واحداً واحداً، على الرغم من أنهم لا يعرفون جميع أسماء لاعبي المنتخب الأردني، ولكن بقدر حبنا للأردن نحب الإمارات، فهي بلدنا الثاني ومن الواجب علينا أن نقف مع منتخب الإمارات، بل وكل منتخب عربي تحت شعار «بلاد العرب أوطاني من الشام لبغدان».
عائلة واحدة.. منتخب واحد
جاء الفوز في غمرة الدورة الجديدة لمهرجان دبي للتسوق الذي يحمل شعار عالم واحد.. مهرجان واحد.. وعائلة واحدة. ومن هذا المنطلق ترى فاطمة محمد أن الإمارات خلال خليجي 18 كانت عائلة واحدة تشجيع منتخب واحد. وتضيف: لقد كان منتخب الجميع.. أسعد الجميع.. وحقق النصر للجميع. ولقد استطاع المنتخب أن يوحّد بين أفراد الأسرة الواحدة سواء المغترب منهم للدراسة، أو الموجود في البلاد، فكانت عبارات التهاني بعد كل فوز همزة وصل بين الأحبة.
خلاصة الأمر، أن العائلة الإماراتية لم تكتف بمؤازرة المنتخب من على مدرجات المعلب فقط، بل نزلت إلى الشارع أيضاً، وطافت سياراتها مع مسيرات الفرح، كل فرد منها يلوّح بعلم الإمارات.. فهنيئاً لهذا الوطن الغالي بأبنائه.
عمر جمعة