ربما لا يختلف الكثيرون حول أن الحداثة تفتح آفاق الحرية وتختصر المسافات.. المسافة بين الأشكال والمضامين، بين الطبيعة وما وراءها، وقد يأخذها البعض على انها تجرد التجريد وتذهب بالعقل البشري إلى مفاهيم مغايرة وإلى ...

الحداثة أيضاً تجعل كل شيء قابلاً للإنجاز وجائزاً للتفكير، منها التطاول على كل ما هو قديم وإطلاق التخيلات إلى مناخات التمرد على كل شيء، وإعادة الاعتبار من جديد إلى كل القيم والمفاهيم.. وبهذا فالحداثة تعني أن المراتبية قابلة للتهديم، وفجأة يتحول الثابت إلى متحول والمتحول إلى ثابت.. فجأة تتشكل مجتمعات دون أي تراكم تاريخي وفجأة يصير التاريخ حكاية والحكاية بندقية والبندقية دمية والدمية زهرة اصطناعية في مهب الريح.

والحداثة قد تعني انعدام أي علاقات إنسانية غير قابلة للاهتزاز أو التغيير فما بالك بالنسف من الجذور، ما بالك بأن يشاهد الطفل شخصيات كرتونية تدخن السجائر، أو يشاهد أفلام دراكولا التي تجعل من الأب مصاصاً للدماء ومن الابن قاتلا له بطعنة صليب.. وهكذا يصير أي كائن بشري قابلا للتحول، وقابلا لأن يعود بدائياً بكل بساطة في فضاءات الفضائيات وأفلام الخيال العلمي..

هل يوجد خيال لا يترك في عقولنا الباطنية أثرا ما، ولا يجعل من ذاكرتنا مرجعية للأحلام أو لحظات التجلي، و حالات الهذيان... أي حالات الفصام هذه التي نعيش؟ كيف للجاهل أن يمتطي عنان المعرفة بكبسة زر، وكيف للعالم أن يبحث عن لقمة عيش على شاشات الاستجداء، وكيف لخير الأمور أوسطها أن تضّيع بوصلة المعايير، كيف يصير التواضع رفضاً متطرفا للمديح؟

كيف تنتهي حريتنا حين تبدأ حرية الآخرين ولا نملك بعد خطوتنا الأولى، كيف نتبادل الأدوار؟ كل الأدوار في أفلام الرعب وكل المهازل في الحقائق والمفاهيم والمبادئ ويمكن أن نعطي لكل المعاني دلالات جديدة ولكل المصطلحات معاني مغايرة فالسياسة التي عرّفها من أسس لها نظرياً أنها التعبير المكثف عن الاقتصاد تصير نتاج اقتصادات دول وتعصب أخرى ويصير الأمن بدل السياسة.

وتضيع الشعوب بين العالمين والعولمة وتتحطم المسافات بين الكون والقرية الصغيرة، تزول حدود الجماعة وتتجسد حدود الفرد الذي لا يمكنه أن يكون حراً خارج غريزة القطيع الإلكترونية .. فثمة غريزة قطيع تتشكل حديثاً خارج كل معايير العواطف والفطرية وحتى الانسياق الجماعي نحو أحاسيس إنسانية ما، غريزة تأخذنا إلى بدائية ما بعد الحداثة، إنها أشبه بموجات التنويم المغناطيسية الآتية من كوكب آخر لم يمر بعصور من أحجار أو تهب عليه غبار من فضة.. إنها العولمة كما يعلمون ويريدون.. فالأرض التي تشكلت عبر مليارات السنين يعاد تشكيلها الآن بسرعة ضوئية، وكما تصور عدسة بطء تفتح زهرة بسرعة نشاهدها بانبهار، تتشكل جغرافيا كوكبنا الجديدة بسرعة موتنا المجاني وتشظينا المذهل.

abuhamed@albayan.ae