تباينت آراء الخبراء حول مدى الاستفادة من الكتاب الإلكتروني والمستقبل الذي ينتظره، ففي الوقت الذي يرى فيه البعض أنه يمثل نقلة معلوماتية ومعرفية مهمة ينتظر منها سد الفجوة الحادثة بين عدد الكتب المطبوعة والقراء في الوطن العربي، حيث تشير إحصائيات حديثة الى أن الإنتاج العربي من الكتاب يمثل 15 ألف عنوان فقط، في حين أن تعداد العرب 200 مليون تقريباً، وفي ذات الوقت يرى آخرون أن الكتاب الإلكتروني بدعة تكنولوجية مآلها الزوال لكونها تفتقر الحميمية التي تربط القارئ بالكتاب. أما بالنسبة للطفل فالأمر ازداد تعقيداً.
خاصة وأن الكمبيوتر جاذب لحواس اللمس والسمع والبصر، مع افتقاد الطفل إمكانية استخدامه كوسيلة للقراءة، لأن الشاشة الإلكترونية غير عملية للقراءة من حيث مقاس السطور والطبع، فضلاً عن الجلسة غير المريحة للطفل. ترى د. صفاء الغرباوي أستاذ الصحة النفسية، أن الكتاب الالكتروني مجرد بدعة أخرجتها لنا التكنولوجيا الحديثة، لكنها بدعة لا أصل لها، فكيف لطفل قراءة كتاب على الكمبيوتر في وقت لم تتأصل فيه عادة القراءة لديه من الكتاب الورقي، فالطفل وإن كان استخدامه للكمبيوتر يزيد على استخدامه للكتاب، فهذا لأن بالكمبيوتر جاذب لحواس اللمس والسمع والبصر والإدراك، فهو مشارك بالألعاب أو البحث عن الكمبيوتر بصورة إيجابية وليس مجرد مستخدم.
خاصة مع توافر الصور الجاذبة للعين والألوان المبهجة لمشاهدة برنامج أو لعبة أو فيلم كارتون، لكنه لم يصل بعد لإمكانية استخدام الكمبيوتر كوسيلة قراءة أو مصدر للكتب، لأن الشاشة الإلكترونية غير عملية للقراءة من حيث مقاس السطور والطبع والجلسة غير المريحة للقراءة، لكن مع الكتاب العادي يمكن للطفل أن يذهب به إلى المدرسة والى النادي ويقرأ فيه قبل نومه مما لا يستلزم وضعًا خاصًا أو تجهيزًا خاصًا لجلسة القراءة، لكن بالكتاب الالكتروني نجد الطفل في حاجة لمساعدة خاصة في انتقاء موقع الكتاب من شبكة المعلومات ثم تحميله على الجهاز الشخصي له.
لكن تختلف معه في الرأي الإعلامية المتخصصة ببرامج الطفل هالة فهمي قائلة : إن الانترنت والكمبيوتر أصبح ساعد الطفل الأيمن وبالتالي ساعد للأسرة أيضًا في تربية أطفالها لكن البعض ينظر لكل ما هو جديد نظرة ريبة وخوف لا محل له من الإعراب، فليس كل جديد مضراً وعلينا التجريب أولاً ثم الحكم فقديمًا قوبلت ألعاب الأتاري قبل اختراع ألعاب البلاي استيشن لموجة من الغضب والنقد، لأنها تأصل بالطفل سلوك عنيف ويجعله يقضي ساعات أمام التليفزيون ويلغي عقله في البحث عن معلومة جديدة، خاصة ان مثل هذه الألعاب قد تضيف مهارات ذكاء للطفل، لكنها لا تضيف لثقافته ومعلوماته وقيل وقتها إنها موضة قصيرة العمر وستنتهي فور انتهاء رد فعلها الأول لكنها استمرت وتطورت إلى البلاي ستيشن ثم ألعاب الكمبيوتر الثلاثية الأبعاد 3.
وهكذا الحال مع الكتاب الالكتروني المنشور بالانترنت، فالبعض نظر له نظرة ريبة وتوجس من خطر نحن لا ننفي خطر عدم جودته أو نشره لثقافات، قد تكون مغايرة لما قد اعتدنا عليه لكننا لا يمكن أن نراه دون أن نجربه كمصدر للمعرفة مثله مثل المواقع الإلكترونية ومواقع الألعاب للطفل، ولابد أن نعلم أولاً أننا لا يمكن أن نعممه أو نأخذ به كمصدر وحيد للثقافة للطفل ونغفل الدور الريادي للكتاب الورقي.
خاصة ان الكتاب الالكتروني يحتاج الطفل ذو قدرات خاصة مادية وعقلية، فليس لجميع أطفال العرب إمكانية قضاء ساعات أمام الانترنت والشاشات الإلكترونية من حيث القدرة المادية والعقلية أيضًا، لذا فوجوده ناقص، فهو يحتاج لقاعدة أكبر من الأطفال ذوي القدرات الخاصة، وهم بالطبع ليسوا أغلبية لنتحدث عن إمكانية تعميم الكتاب الإلكتروني كمصدر وحيد للمعرفة للطفل وإذا نظرنا للغة الأرقام نجد أن نسبة مبيعات الكتاب الإلكتروني بالنسبة لكتاب الطفل لا تتعدى بكل الأحوال بجميع المجتمعات إلى أكثر من 10 % من حجم المبيعات ككل - ولن نغفل أيضًا أن الكتاب الإلكتروني يفتقد للحميمية التي تنشأ بين الطفل وبين كتابه مثل أن يمسك الطفل بكتابه بين يديه وهو في حضن أمه لتحكي له منه قبل النوم أو أثناء السفر إذا قام الطفل بالقراءة بنفسه منه ولا يسهل حمله لأي مكان أو اختياره بنشاطات المدرسة لمشاركة الزملاء فيه.
لذا نستطيع القول إن الكتاب الورقي موجود ولاغنى عنه والكتاب الإلكتروني موجود أيضًا كمكمل له وليس منافسًا ولا غنى عن وجود الاثنين معًا مثل الألعاب الالكترونية، التي لم تنف دور الألعاب اليدوية للطفل التي يستخدمها بيده يشعر بها وتشعر به مثل العروسة أو الدبدوب. أما يعقوب الشاروني كاتب الأطفال ورئيس المجلس القومي لثقافة الطفل فيقول: عندما ظهر التليفزيون وانتشر بالمنازل العربية توقع القائمون على أدب وثقافة الطفل أن تقل نسبه الإقبال على كتب الأطفال لكن ما حدث فاق كل توقع وهو زياد وتضاعف مبيعات كتب الأطفال لأكثر من 4 مرات لأن التليفزيون أثار اهتمام الطفل وفتح له عوالم ومدارك جديدة، لم يكن يعلمها مثل عالم الحيوان الذي لم يتعرف عليه الطفل سوى بالصور والمعلومات البسيطة، وعالم البحار وزاد اهتمام خياله بعالم الفضاء، فإذا به يرى الحيوان في التليفزيون رؤية العين مما يلهمه بالبحث أكثر عن طريق الكتاب.
وكما هي وظيفة التليفزيون.. كذلك وظيفة الانترنت ودوره دعائي فقط يعرض محتوى الكتاب وفهرسه وملخصا عنه، نظرًا لاستخدام الطفل الانترنت بكثرة فتستغل هذه الميزة لعرض الكتب والإعلان عنها، فالتنمية البصرية قد تكون عاملاً قويًا لتنبيه الطفل وإثارة شغفه للقراءة أكثر، فبعض الشركات المختصة بالنشر للطفل بأوروبا وأميركا استغلت من تواجد الأطفال على الانترنت لعمل دعاية عن إصداراتها والدعوة لحضور حفلات توقيع الكتاب من المؤلف، لكنها تنشر الكتاب كاملاً ككتاب إلكتروني لعلمهم بعدم استمرارية مثل هذا النوع من النشر، حتى أن معرض بولونيا الدولي بإيطاليا لكتب الأطفال خصص لمدة عامين جناحًا به للكتب المنشورة الكترونيا، لكنه ألغي هذه العادة المستحدثة مؤخرًا لعدم الإقبال من الأطفال على هذا النوع من الكتب، حتى بعد ابتكار جهاز الكتاب الالكتروني، الذي يتحمل أكثر من 40 كتابًا بذاكرته الإلكترونية، لكنه ما زال غير عملي، فهو يفتقد الحميمية والعلاقة التي تنشأ بين الطفل وكتابه ..
بالإضافة الى وزنه الثقيل حيث يزن أكثر من 350 جرامًا وسعره الباهظ الذي لا يقدر عليه كل الأطفال ويحتاج لعقليات خاصة في التعامل معه، لذا فالانترنت أو النشر الالكتروني لن يستمر، فهو موضة زائلة ودور الانترنت لن يزيد على الدور الدعائي والتعامل التجاري، لكنه لن يكون مصدرًا معرفيًا خالصًا للطفل، خاصة الطفل العربي الذي يحتاج أولاً لتأصيل عادة القراءة ثم تنوع أساليبها. وهنا يأتي الرأي الإعلامي د. اعتماد خلف رئيس قسم الإعلام وثقافة الطفل بجامعة عين شمس والتي ترى أن كل محدثة الكترونية أو تقنية قد تحمل الجانب السلبي والجانب الإيجابي.
فالكتاب الالكتروني الذي قد تكون به عوامل جذب بصرية وسمعية للطفل تحثه أكثر على القراءة وتجعله مشاركاً في عملية وضع القصة عن طريق الرسوم التي تتكلفه وتنطق بالحوار ليشارك بحواسه كلها في عملية القراءة، لكنه في نفس الوقت يحمل خطرا كامنا وهو عدم وجود الرقابة الكافية للوثوق به أن يكون في يد أطفالنا في العالم العربي، فالانترنت كما نعلم جميعًا به كل شيء مباح، وكل يكتب وينشر ما يحلو له دون رقابة مما قد يوجسنا منه ريبة، فالطفل تربة خصبة لزراعة أي شيء سواء كان ورودًا أو أشواكًا.
وقد جعلت التقنيات الحديثة من الكتاب الالكتروني خطرًا يمشي على قدمين لما يحمله من عوامل جذب للطفل، لأنه مدعم بوسائط متعددة وسهل نقله ومراسلته مع مجموعات الأصداء لذا على الوالدين دراسة ومراقبة ما يفعله الطفل ومحاولة تقييم ما يقرأه الطفل هل هو صالح للاستخدام أم لا لكننا إحقاقًا للحق لا يمكننا أيضًا إغفال مميزاته مثل مساعدته للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في إدراك العالم المحيط بهم بصورة أسهل من الكتاب الورقي، الذي قد يحتاج المدرس لشرح ما به أما الكتاب الالكتروني فقد يكون أنفع لهم، لأنه مصمم بتقنيات تساعدهم ومناسبة لهم كما أنه مناسب كمصدر دراسي.