يقول «رسكن» ان أسوأ سمات العمل الفني التشكيلي الحديث ناجمة عن غوايته الدائمة لنا لإشباع ولعنا بالتغيير، وبالإثارة العاطفية، بينما تنحو سمات الفن الأفضل، الأقدم عهداً، نحو حب التأمل، ويبدو أن اهتمام أكثر الفنانين صدقاً، ينصب على تقديم تلك الصور التي نود رؤيتها دائماً، ونراها دونما اضطراب، بينما تنشد التصاميم الأقل شأنا، الانفعالات الأكثر حدة التي تعتمد على تقلبات حكاية ما، أو مسار عاطفة ما.
النحات العراقي «هيثم حسن» المولود في «الأنبار» عام 1957 والحاصل على دبلوم في النحت عام 1980، يحاول في أعماله التي يماهي فيها بين النحت والتصوير، تأكيد ما ذهب إليه «رسكن» أي تضمين عمله الفني نوعاً من الغواية القادرة على إشباع ولع المتلقي بالتغيير والإثارة، ذلك لأنه يقود المادة في تجربته الفنية التي قدم مؤخراً (من 3/12 إلى 13/12/2006) جانباً منها في دار كلمات للفنون والنشر بمدينة حلب إلى النتائج التي يريدها،.
وعلى وجه التحديد، يمعن في التركيب والتجريب والإضافة. فأعماله الموزعة على مجسمات فراغية ناهضة في الفراغ تبدو على حد تعبير سهيل سامي نادر. وقد لجأت إلى خياط صاحب مزاج، ألبسها رداء من الفضلات والمزق المتبقية عنده من أقمشة زبائنه. يقترح هذا الخياط المرح والاقتصادي، فلسفة كاملة ليست بلا جذور.
كما أنها ليست غائبة عن الأفق الفني من حيث المبدأ، ولعل اسمها هو: فلسفة الترقيع الحاذق، ذلك لأن الفنان هيثم حسن، يجمع في مجسماته الفراغية أشياء لا تتجمع في العادة، لكن مع حس عال بالتنسيق الجمالي والحذلقة ستحتل هذه الأشياء مكانها المناسب باجتماعها معاً!!
من جانب آخر، قدم الفنان حسن مجموعة صحون منفذة من مواد تركيبية صناعية، أغرقها بوجبة دسمة من الألوان، لتتكامل وتنسجم مع الأعمال الأخرى الفراغية المنفذة هي الأخرى، من مواد تركيبية بألوان حزينة ووقورة، لكن في لحظة تعاطف، يقرر النحات أن ينقذها ويحرك فيها الشهوة إلى الحياة، محققاً الوحدة الطبيعية للجسد التي تتمثل فيها البداهة والاستقرار.
ظهر هذا الجسد على حد تعبير سهيل سامي نادر بلون مأتمي قاتم السواد، يمتص الضوء حتى في المواقع التي قام الفنان بالنزول بها على نحو أفقدها الثخن، وجعلها ترهف، هذا الشيء أمتعه وأثار دهشته وتساؤله بشأن المادة التي استخدمها الفنان حسن في تنفيذ أعماله، وهي أخف من أن تكون برونزاً أو حديداً أو نحاساً، حصل عليها من مواد صناعية تركيبية.
أما اللون فهو متورط في الخامة ما جعله يبدو سجيناً فيها، أو جزءاً منها. لا يتماهى النحت والتصوير في أعمال الفنان هيثم حسن فحسب، بل تتماهى فنون قديمة ارتبطت بالحضارات الكبرى، وبالفنون البدائية الافريقية والأميركية الجنوبية، وفنون حديثة.
قائمة على البحث والتجريب، في المواد التي أفرزتها التكنولوجيا المعاصرة، ووسمت عصرنا بسماتها، هذا التماهي اللافت، يطال الشكل والمضمون، فثمة تأثيرات أسلوبية متداخلة تنتمي لأكثر من مرحلة تاريخية، تحتضنها منحوتاته وصحونه، بحيث يمكن اعتبارها طوطماً قديماً، وعملاً تركيبياً حديثاً في آن معاً.
ان عملية تلوين المنحوتات قد لا تكون جديدة، لكنها لدى الفنان العراقي هيثم حسن تبدو جديدة ومبتكرة وحاضنة لفلسفة خاصة، تشكيلية وفكرية، تفتح آفاقاً رحبة أمامها.
دمشق ـ د. محمود شاهين