في مدينة فيردان الواقعة شرقاً بين مدينتي باريس وميتز يعرض مسرح غرونييه مسرحية غرف Chambres للكاتب الفرنسي فيليب مينانا خلال شهر فبراير الجاري حيث تقدم فرقة تيسام الفرنسية بإدارة المخرجة كارولين فايس رؤية إخراجية جديدة لهذه المسرحية. يتركز عمل هذه الفرقة على التجريب الذي يتجلى بكثرة الحلول الإخراجية الجديدة للمسرحية وهذا الأمر نلمسه عبر استعمال الأقنعة وإدخال مقطوعات موسيقية متنوعة الإيقاع بين فواصل العرض.

سبق وقدمت المسرحية في مهرجانات فرنسية عديدة مثل باريس، روان، نيس. يستلهم الكاتب فيليب مينيانا نص «غرف» من وقائع الحياة اليومية حيث أن كتابته تحاكي الواقع وتعلق عليه وهو بذلك يحملها رسالة اجتماعية تلتزم بإيصال كلام النساء إلى المجتمع. تلك النساء لا يتقيدن بنمط معين من الكلام فاللغة التي يتكلمنها بسيطة وخالية من التعابير اللغوية الجاهزة فهن يتكلمن عن أشياء لا تخطر على بال الجمهور ومن هنا نفاجأ دائماً بما يمكن أن يقلنه بين الجملة والأخرى.

تقف تلك النسوة على هامش المجتمع أو بالأحرى على مسافة منه فنراهن يتكلمن عن أشياء غريبة ومألوفة في نفس الوقت. وهكذا فإن تلك الشخصيات النسائية تبدو في حالة من الاعتراف المستمر فالعرض يندرج في مسرح الكلام الذي يخلو من أي حدث بل إن الحدث الوحيد في هذه المسرحية هو الكلام.

في هذه المسرحية نرى ست نساء يظهرن على الخشبة الواحدة تلو الأخرى وتروي كل منهن قصصاً من حياتها اليومية والخاصة حيث إنهن يعشن في مدينة سوشو الفرنسية والتي توصف بجوها الصناعي. في مدينة سوشو الصناعية تلتقي أقدار تلك النساء الست اللواتي يبحن باعترافات لمواقف من الشك والألم والحب في حياتهن التي تأخذ منحى مختلفاً حيث أنهن يعملن في مصنع السيارات بيجو. ومن هنا فإن مونولوج كل واحدة منهن هو مزيج من مشاهد الحياة الخاصة والمهنية بكل ما تحوي من تفاصيل قد لا نسمعها في غالب الأحيان.

تتوالى المونولوجات بشكل سريع فالنساء يتكلمن ويتكلمن دون توقف، المهم أن يتكلمن على الخشبة ويفرغن ما لديهن من كلام إلى الجمهور حتى لو كان ذلك الكلام غير مترابط في بعض المواضع. وهنا فإن الكاتب يسمعنا آهات وتعابير حميمية جداً لتلك النساء العاملات اللواتي يجتحن الخشبة لمدة ساعة من الزمن ويحدثن الجمهور عن كل ما يخطر ببالهن من بقايا ذكريات وقصص قديمة مازلن يحتفظن بها والتي لا تخلو من روح الدعابة في مواضع كثيرة من العرض.

يبدو الكلام في هذه المسرحية كطوافة نجاة تستخدمها الشخصيات لتخرج ما بداخلها من أفكار وهواجس تطلعنا على جوانب إنسانية كثيرة من حياة تلك النسوة التي فقدت أشياء كثيرة أمام الاجتياح المرعب للمدينة.

في هذه المونولوجات نسمع شهادات نسوة من الطبقة العاملة العادية التي لا نحس بوجودها في المجتمع. يعتبر المونولوج أحد أهم الأشكال المسرحية القادرة على إيصال الأصوات الداخلية للشخصيات والتي من خلاله نعرف ما يدور في داخلها بشكل متسلسل وغير مرتبط بقيود يفرضها وجود شخصيات أخرى وما ينتج عن ذلك الوجود من مواقف أخرى.

تقول الممثلة ميلاني ديسباخ عن العرض:« يقدم لنا هذا النص جوانب كثيرة عن بسيكولوجيا الشخصية وهو ينطلق من الواقع ليصل إلى مستوى عال من الشعرية التي نلمسها عن طريق موسيقى النص. أما عن نشوء النص فقد قام الكاتب فيليب مينيانا بالاستماع لشهادات نساء كثر في مدينة سوشو في عام 1987 وقام بتسجيل تلك الشهادات وبعدئذ أعاد كتابة النص بشكل مسرحي مع بعض الإضافات. فيما يتعلق باللعبة فإن وجود القناع يضعنا أمام بعد آخر للشخصية التي نتعرف عليها تباعاً عبر حديثها عن نفسها، هذا القناع يخرج النساء إلى آفاق أخرى ولا يحددها بمجتمع معين فاللواتي يتكلمن هن نساء يمكن ان يكن في مدينة سوشو وفي مدينة أخرى أيضاً».

إن فكرة هذا النص تخرج من الواقع ومن شهادات حية تسجل الكلام اليومي لبعض النسوة ومن هنا فإن أحد أهم ما يميز هذا النص هو قدرته على تصوير مقطع من كلام يومي ذي إيقاع سريع وعفوي. يطرح الكاتب أفكاراً كثيرة من خلال هذه المسرحية تتجسد أغلبها في الرغبة في نقل تفاصيل الحياة اليومية إلى الخشبة وإعطاء الكلام لشخصيات تعيش حالات إنسانية تستحق الاهتمام في خضم ذلك الزخم المدني الصاخب.

ومن هنا فإن الحاجة للكلام ملحة في المجتمع الميكانيكي الذي يباعد الناس ولا يدع لهم الوقت لسماع بعضهم البعض.

يقول الكاتب فيليب مينيانا في معرض حديثه عن هذه المسرحية: «بالنسبة لي، المسرح هو عبارة عن الكلام الذي يدوي ويحدث ضجة في هذا العالم».

فيليب مينيانا

بدأ الكاتب السنوات السبعين من القرن الماضي، ومارس في نفس الوقت مهنة التمثيل وإدارة ورشات عمل مسرحية حول المسرح الفرنسي المعاصر. وله حتى الآن قرابة ثلاثين مسرحية نشر معظمها في دار نشر أكت سود، تياترال، ومنشورات المسرح المفتوح في باريس. خلال هذه السنوات الطويلة من العمل المسرحي قام العديد من المخرجين المسرحيين بإعداد مسرحياته أمثال: روبير كانتاريللا، كارلوس فيتتنغ، ألان فرانسون. كما أذيعت بعض مسرحياته في إذاعة فرنسا الثقافية «فرانس كولتير». ومن أخر أعماله المسرحية نذكر: دراما قصيرة (1996)، «مساكن» (2000)، «الرواق» (2004).

باريس ـ منتجب صقر