يا دياراً تنام في حبة القلب، لا تود أن تستيقظ. عشقت فيك البراءة والبكارة !! أين أنت، يا مراتع الطفولة والصبا والحب البريء!!.
على هذا الشاطيء، شاطيء الهوى، فقد الربان سفينته. محبوبته الغالية، رفيقة حياته، سنوات عمره الطويلة، ويا كل الأنهار العذبة، على وجه البسيطة، لن تروي الظمأ في القلوب، الجفاف يسري في الأعماق، يمحو منها آثار الحب والخير والجمال !!
كانت هنا ديار الأهل والأحبة، أين ذهبت، أين اندثرت؟ كنت أنا هنا منذ سنوات بين هذه الأطلال، يا أيامي البريئة البعيدة، يا دياري التي تنام في حفائر النسيان، هل الزمن كفيل بأن يمحو كل شيء من الذاكرة؟!
الجفاف بدأ يسري..
حان وقت الرحيل،
وانقطع المطر..
قلت لرفيق الطفولة البعيدة: أنا غريب هنا. سألني باقتضاب: لم؟! أجبت في حيرة: هذه الأطلال غريبة. أشاهدها لأول مرة في حياتي. دياري تنام في حبة القلب، لا تود أن تستيقظ. أن تعود مرة أخرى.
قال معاتبا: أعماقك تتنكر لمراتع الطفولة والصبا!! قلت كأنما أحدث نفسي: هذا شاطيء مهجور!! عاد البحّار ولم يجد الأهل والأحبة. وجد أرضا براحا، فراغا، مساحات شاسعة من الضياع، ولم يجد الديار!! في طفولتي البعيدة، أحببت هذه الديار. كنت أشعر في قربها بالأمان والحنان.
الجدران الطينية الخشنة، كانت تؤنسني وتبدد وحشتي وتقيني من شدة الرياح والبرد والزمهرير.. الآن، واستكملت بصوت مسموع، هيا بنا نرحل عن هذه الأطلال الغريبة، عقب معترضا، نحن الغرباء هنا، كأنما يقصدني أنا، رددت عليه، إنها الديار التي أضحت كئيبة، تنكرنا وتتبرأ منا ومن جوهرنا الغامض، ومظهرنا الكاذب المخادع. دياري.. ديار الحب البريء، تنام في حبة القلب الأخضر.
قال رفيق الصبا: لم يتغير شيء. أنت الذي تغيرت وتبدلت. المادة أصبحت كل شيء. تلهث وراءها في بلاد الله الواسعة، وغيرت نظرتك إلى الحياة والبشر وموطن أجدادك. أصبح باهتا، باليا، عفا عليه الزمن.. ومات الطفل البريء الذي في أعماقك!! مات الحب البريء.. ارتفع صوته وهو يتساءل: لماذا هذا الجحود والنكران للتراب الذي لعبت عليه ونشأت وتمرغت فيه.
هذه الأرض الخضراء، أكلت وشربت من أعماقها، من خيراتها. كلكم تقولون ذلك.. الديار تغيرت، الزمن غيّر كل شيء !! لا.. خرجتم من دياركم أبرياء، أنقياء، في صفاء الماء الزلال، وعدتم. ويا ليتكم ما عدتم.. عدتم أناسا مختلفين مثل «الحرباء» يتغير جلدها ولونها من وقت لآخر!! ولكن.. مازالت الديار على حالها. مازالت ديار الحب البريء على حالها.
أخذت أردد كلماته تحت ضروسي: مازالت ديار الحب البريء على حالها!! نحن الذين تغيرنا. وقلت في صوت خافت : أصبحنا الغرباء في زمن الغربة والترحال، ورحلة الشتات التي بدأت منذ سنوات.
وهززت رأسي في حزن وأسى: الأرض هربت من تحت أقدامنا، والزمن هرب من بين أيدينا المرتجفة. هرب كل شيء منا، تراجعنا للوراء آلاف السنين، عدنا إلى الجفاف.. هذا الجفاف مر المذاق كطعم العلقم.. وضاع الحب البريء !!
وقال الشيخ الهرم وأنا أميل لأطبع قبلة على ظهر يده اليابسة : ستعود!!
أعرف الإجابة، فلا داعي للتهرب من مواجهتي. أنا هنا في احتياج إليك. أنت عكازي وساعدي. لا تنطق. أعفيك من تقديم الحجج والعلل والأسباب الواهية. تغيرتم يا أبناء زمن الجحود والنكران. أعطيتم ظهوركم لنا، وهربتم من بين جدران الديار التي كانت تحميكم من الضياع.
قلت في كآبة لألقي بالمسؤولية على غيري: الزمن هو الذي غير كل الأشياء الجميلة !! سأل بحدة واستنكار: وغيّر النفوس؟! أجبت بسرعة: نعم.. عقّب بحزن: والنفوس العامرة بالخير؟! لم أجب عليه، فاستطرد الشيخ مستكملا: أضحت خرابا!! لم أعقّب على كلامه، هز رأسه وصمت وهو يرمقني بنظرة عتاب.
ياحبيبتي هيا نبحر في بحار الحيرة وليل الظلمات. قالت ضاحكة بعبارات تحتمل لأكثر من معنى : تبحر عكس التيار. عكس الزمن. محال أن تطوي الزمن وتعيده للوراء مرة أخرى !!. يا حبيبتي أنت أول من يعرف مقدرتي وقوتي في عالم الإبحار. عقبت ضاحكة مستهزئة : عظام قاربك مثل عظام صدرك والترقوتين، نخرة، خالية من النخاع، مهترئة. لن تتحمل غضبة البحر وهياجه.
ومجدافاك متآكلان من ملوحة المياه التي أكلت جلد يديك وساقيك، يا بحّاري العزيز. يا حبيبتي، تقولين كل هذا، وأنا الذي عشت طوال عمري أعمل بالبحر، وقادر على مواجهة النوات. لم تُجب.. وقالت المرأة العجوز الطيبة وهي تقبلني بحنان : عد من حيث أتيت، لا أريد لك التعاسة يا طائري الحبيب. لا أود أن أشاهدك حزينا أمام عيني. أود أن تكون سعيدا برغم بعدك عني.. أما نحن وديارنا، فسنظل هكذا على حالنا.