الشعر العربي في العصر المملوكي الثاني، رسالة دكتوراه للباحث الأردني الدكتور محمد عيسى إبراهيم قنديل، صدرت في كتاب عن دار الشروق في الإمارات، ضمن الدراسات القليلة الرائدة التي تتناول الشعر في العصر المملوكي الثاني.
وقد جاء الكتاب في مقدمة وسبعة أبواب وخاتمة، تناول الباحث في الباب الأول الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وخصص الباب الثاني لفنون الشعر التقليدية ، ودرس في الباب الثالث فنون الشعر المستحدثة، بينما تناول في الباب الرابع أنماط القصائد وأشكالها. أما الباب الخامس فقد جاء في خمسة فصول درس من خلالها نهج القصيدة المملوكية وبناءها وموسيقاها والاتجاه البديعي فيها، وركز الباب السادس على الصناعات الشعرية وشعر العلماء نظرا للعلاقة الوطيدة التي وجدها الباحث بين العلماء وتلك الصناعات.
ومن خلال أبوابه الستة توصل الباحث د. محمد قنديل إلى نتائج عديدة على الصعيدين الفني والتاريخي، ففي الجانب الفني تبين أن الشعراء في العصر المملوكي الثاني كانوا مقلدين في المعاني والأفكار، والتسطح في شعر القوم قابله تسطح في حياة الناس نفسها، ورغم ذلك، فقد وجد الكاتب أن الشعر الصوفي في ذاك العصر كاد أن يعود بالتصوف إلى منابعه الإسلامية الأصيلة، بعيدا عن التيارات الفكرية على الأمة من حضارات سابقة أو مجاورة.
مشيرا إلى أن شعر المديح النبوي أصبح تيارا طاغيا إذ لم يخل ديوان شاعر قط منه، وذكر الباحث أن التيار الديني كان يلف المجتمع من أوله إلى آخره، ومكن هذا التيار الديني الجارف علماء الدين من لعب دور مهم في ذلك المجتمع، فكانوا دعامة الحياة الاجتماعية والثقافية، وكثيرا ما تضامن الناس مع العلماء ضد الحكام. ولفت الباحث إلى رواج شعر السخرية والفكاهة بين الناس، الذي كان يعكس الأزمات الاقتصادية وغلاء الأسعار. كما أثار الانتباه إلى فنون الشعر غير المعربة ودورها في رفض الناس للواقع المر.
أما من حيث الجانب التاريخي فقد أظهرت دراسة الأحوال السياسية ضعف الحكام والسلاطين، بينما سيطر الشلل والركود على الحياة الاقتصادية، نظرا للفئوية الاجتماعية التي سادت المجتمع، من حيث الاحتكار والفساد والمحسوبيات، وقد زاد الأمر تعقيدا نفاق رجال القضاء ونظار المصالح الحكومية للحكام والسلاطين، إلا أن الباحث يثني على الحركة الثقافية التي سادت آنذاك، وأنتجت موسوعات وكتب ثقافة عامة حوت بين دفتيها كل معارف الأمة الدينية والدنيوية، رافضا التسمية التي أطلقت على تلك الحقبة .
وهي عصر الانحطاط، وملقيا اللوم على العثمانيين الذين انتزعوا أدوات الحضارة العربية وركائزها ورجالاتها في العصر المملوكي، وإرسالها إلى عاصمتهم، ولولا ذلك، لبقيت دفقة الحياة حارة قوية في جميع نواحي الحياة الفكرية والعلمية والثقافية. ويصف الكاتب ما حدث بالجريمة التي ارتكبت في حق الأمة، والتي كانت إيذانا ببدء عصر الانحطاط في العالم العربي، خاصة وإن المدارس قد أهملت في العصر العثماني.
أبوظبي ـ عبير يونس