شهدت فعاليات معرض القاهرة الدولي مواجهة حضارية بين الكاتب الإيطالي «دانيالي ديل»، والكاتب المصري «إدوار الخراط»، عكست الرغبة الأكيدة في تجاوز آلام ميراث حقب الاستعمار، واستدعاء ميراث التواصل الإنساني المشترك والتفاعل بين ثقافتي الشرق والغرب. وتأتي المواجهة في محاولة لفتح باب الحوار والمكاشفة بين مبدعي مصر وإيطاليا في ندوة «كتاب إيطاليون ومصريون وجهًا لوجه»، الذي تقام باعتبار أن إيطاليا ضيف شرف المعرض الدولي.
واتفق الكاتبان على أن الاستعمار القديم لا يزال موجودًا ولكنه في كل فترة يغير أقنعته، ويتواصل في عالمنا المعاصر من جانب الدول الكبري ممثلا في استلاب الشركات العابرة للقارات لدول العالم الثالث، يوازيه استعمارًا داخل الشرق من خلال الطبقات الاجتماعية الفوقية التي سلبت حقوق الفقراء.
وقدمت مديرة الندوة «ماريا جاياتا» الكاتب المصري «إدوار الخراط»، كمبدع ساهم في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، وأحد رواد الأدب العربي الأكثر ترجمة في اللغات الأوروبية، كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية، وقالت: إن الخراط كاتب يتمتع بالتزام حضاري دفعه لأن يسافر ويرتحل لبلدان عديدة كي يحكي أدب بلاده في العديد من الدول الغربية، ولا غرابة أمام ذلك في أن يحتفي به الكتاب العرب في عيد ميلاده ويرصدون شهادتهم عنه في كتاب، وخلصت إلي تأكيد وصف الخراط بأنه مغامر حتى النخاع.
وأضافت : يقابله في إيطاليا الكاتب «دانيالي إيجاياتا» الذي يشابه الخراط في كثرة الترحال بحكم كونه طيارًا سابقًا عرف معني التحليق، موضحة رغم المكانة التي يحظي بها أدب دانيالي في إيطاليا لكنه غير معروف في العالم العربي بسبب عدم ترجمة أعماله للعربية، وإن كانت روايته «إستاد وينبلدون» على وشك الطبع بعد ترجمتها للعربية، موضحة أن دانيالي يهتم في كتاباته بالأحاسيس الإنسانية، التي يعبر عنها العلم والخيال العلمي وتأثيره في السلوك الإنساني.
واستعرضت دور دانيالي الثقافي في فينسيا، الذي يجمع فيه أهم رموز الأدب والفلسفة والعلماء في منتدي سنوي لمناقشة القضايا وتبادل الحوار، كما استعرضت مسرحيته التي تحكي أحداث قصة الطائرة التي سقطت في إيطاليا في ظروف غامضة.
مغامرة صعبة، وأكد الخراط أن الفن في جوهره مغامرة ليست سهلة لكنها مدروسة لاكتشاف المجهول وتوسيع نطاق المعرفة الفنية والثقافية والإنسانية بشكل عام، واصفاً العلاقة بين الشرق والغرب بالعلاقة، التي تسودها تبادل الأخذ والعطاء منذ عصر النهضة دون أن تعرف معنى الاستعلاء بل سادها نوع من الندية والتكافؤ والمشاركة في الهموم والطموحات والأماني، التي تجمع بين الناس، وهذا هو جوهر العمل الأدبي، فالطموحات المشتركة هي التي تجعلنا نقف علي أرض مشتركة ونجد من خلالها حلولاً لمشاكلنا.
وأكد الخراط علي أن الأدب يمكن أن يكون وسيلة للتعرف علي الاختلاف بين الشرق والغرب، لكنه أيضًا كما قال الخراط وسيلة للتعرف علي التوافقات على الأحلام المشتركة، وتحفظ الخراط علي مسميات الشرق والغرب، لأن كلا منا يحمل الآخر في داخله، فليس الآخر هو الذي يتحدد بجحود سياسية وجغرافية .
ولكن هو الآخر الذي يعني التنوع والثراء، الذي يعمق التجربة الإنسانية، فالاختلاف لا يعني إقامة حد فاصل بيني وبين الآخر، وإنما فكرة الأخر تنطلق من التنوع وغنى التجربة سواء داخل الثقافة الواحدة أو حتى بين الثقافات المختلفة، وعلى ذلك فإن التقارب والتصارع بيني وبين الآخر هو الذي يثري التجربة الإنسانية.
وأشار الخراط إلي أن الاستعمار، الذي يجدد أشكاله في الغرب والغرب ليس قالبًا واحدًا وأن هناك شعوبًا غربية تناصر آلامنا في الشرق، بينما يوازي الاستعمار الحديث في الغرب، استغلال من الطبقات الفوقية للشعوب في الشرق.
البحث عن الحقيقة
وأكد الكاتب الإيطالي دانيالي ديل جوديتشي أنه يبحث في الأدب عن الحقيقة والديمقراطية، فالكاتب لابد أن يبحث عن الحقيقة بنفسه مثلما فعل هو في بحثه عن حقيقة الطائرة، التي سقطت في إيطاليا وراح ضحيتها 84 مواطنًا بريئًا وأخفيت المعلومات عن أسباب موتهم وسقوط طائرتهم، وعن رؤيته للعلاقة بين الشرق والغرب، وأضاف: أن الغرب كما نعنيه نحن فيعني غروب الشمس، فالغرب قارة عظمي تمتد من الولايات المتحدة الأميركية وحتى الشرق تقريبًا وهنا ينظر الغرب لنفسه ككم ونوع.
ويحاول فرض قيمه على الآخرين من وجهة النظر الكمية هذه، بينما ينظرون للمسلمين نظرة كمية وليست نوعية وهنا يختلف دانيالي مع رؤية الغرب هذا وقال لابد أن نحترم نوعية الشعوب الإسلامية ونصير حتى نتعرف علي الآخر ونهتم بالفروق المفيدة بينهم وهذا يأتي دور الأدب في تكريس هذا الاحترام بنوع الآخر واختلافه وإن كانت هذه القضية تتعلق بمسألة انثروبولوجية، لأنها تتصل بالعلاقات الحقيقية مع الآخر، وهذا لا يعني أن يخرق قواعده كي يتواصل مع الآخر.
لحظات مستحيلة
ويري دانيالي أن بدء معرفة الآخر تنطلق من اللحظة المستحيلة والصعبة إذا كنا نريد الوصول إلي معرفة حقيقية وهذا يتطلب مضاعفة الجهد للوصول لهذه المعرفة وإن كان قد اتفق مع إدوار الخراط في قوله بأن الآخر هو نحن ولابد أن نبحث عن الآخر في داخلنا ولو ليوم واحد أعيش نفس ظروفه ودلل على ذلك بالكثير من النماذج، التي شهدت هذا التكامل بين الأنا والآخر.
موضحا أن اللغة الإيطالية تتمتع بثراء شديد بسبب كل الغزوات التي قام بها الرومان وتركوا ميراثا من الكلمات لها جذور عربية، بل إن دانتي استطاع الطيران نحو الجنة بفضل الثقافة العربية ولغتها ولم ينف دانيالي الميراث الذي يعيشه الشرق من كراهية نتيجة الحقب الاستعمارية للغرب، لكنه أكد أن هذا الاستعمار يجدد أشكاله من عصر لعصر ويطور أدواته داعيا لمحاربة الاستعمار بكل صوره وأشكاله وقد أبدى دانيالي سعادته الغامرة بالحديث والتحاور مع إدوار الخراط وقال قرأت كتبه وأحببته وإن لم يكن الأديب العربي الوحيد الذي قرأته بل سبق وأن تحاورت مع صنع الله إبراهيم وجمال الغيطاني.
خدمة « وكالة الصحافة العربية