أكد الفنان السوري منير الشعراني في حوار له مع «البيان» أنه يعمل ما بوسعه لإعادة الاعتبار للخط العربي كفن متميز له موقع يليق به بين الفنون التشكيلية، هذا الفن الذي كان قاسماً مشتركاً لكل الفنون العربية الإسلامية، أصبح في نظر الناس فقط له وظيفة دينية لكتابة الآيات والأحاديث، وحرفة لكتابة اللافتات والعناوين، أو ما يلزم من خطوط للمطبوعات.. بينما الخط العربي كان دوماً متمثلاً في كل نواحي وتفاصيل الحياة انطلاقاً من مقولة «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً».

* هل هي إعادة اعتبار أم تطوير؟

ـ لا أحمّل رأيي وجهة نظر تقييمية أو نقدية، لأن هذه مهمة النقاد، غير الموجودين للأسف، وإن أردت الصراحة دون تواضع كاذب، أسعى إلى تطوير الخط العربي انطلاقاً من جذوره ليصبح فناً معاصراً يليق بحياتنا المعاصرة.

* كيف ستطور هذا الفن وتكون جدلياً وأصيلاً ضمن صرامة قواعد هذا الخط؟

ـ الجدل لا يتناقض مع دينامية الخط العربي، الخط كان بدائياً وأولياً وتطور بشكل متسارع في فترة الخلفاء الراشدين، وتطور نسبياً في العصر الأموي، وشهد تطوراً ملحوظاً في العصر العباسي، ومن ثم شهد تطورات في الحواضر، كمصر في العصر الفاطمي، وأيضاً في الأندلس وغيرها من الحواضر، التي استظلت بالحضارة العربية الإسلامية.

ولم يكن هناك تلك الصرامة التي تكلمت عنها أثناء تلك التطورات والإضافات، بل فرضت على الخط العربي في الحقبة العثمانية التي منعت الاجتهاد في كل شيء بما فيه الخط، وفي هذه الحقبة قننت أنواع الخط واستخداماته، الأمر الذي لم يكن معهوداً قبل ذلك على الإطلاق، فأصبح هناك النسخ والثلث للأغراض الدينية، ككتابة المصاحف وتزيين المساجد، وخط النستعليق ـ الفارسي كما نسميه اعترافاً بفضل من أبدعوه ـ أصبح لكتابة الشعر مع تعديلات تركية أساءت إليه.

* هلاّ أوضحت تلك الإساءة؟

ـ إذا قارنا بين الخط الفارسي الإيراني، كخط عماد الحسني مثلاً، وخط يساري زادة الذي كان يدرس الحسني ويشتغل على تقليده، نجد أن هناك تناسباً أعلى بين عناصر العمل عند الحسني، فالكاسات ـ كما نسميها ـ أي الحروف التي فيها استدارات أو تقعير، كحرف النون أو الياء..

كانت منسجمة بشكل كبير في الخط الفارسي عند الحسني أو سابقيه أو معاصريه، بينما يساري زادة وسّع هذه «الكاسات» أو ضخّم هذا التقعير بطريقة غير متناسبة مع الحروف الأخرى التي كنا نراها شديدة الانسجام في خط النستعليق.

* وماذا عن الانتقائية التركية وإهمالهم للخط الكوفي مثلاً؟

ـ الأتراك كانوا مجموعة قبائل وحديثي حضارة، ولم ينسجم الكوفي مع ذائقتهم، فاستخدموا في العمارة الثلث، وهناك مسجد واحد فقط في تركيا فيه كتابات بالخط الكوفي، وليس بشكل جيد، بينما الخط الكوفي حين أعيد إحياؤه فيما بعد أكتشف منه ما يزيد على السبعين نوعاً من المشرق وحتى الأندلس.. إن تاريخ الخط يبين لنا أن شخصية كل مكان أو الموروث الثقافي لكل مكان له تأثيره على تطور الخط واستخداماته، فالأتراك ابتكروا خط الرقعة للاستخدامات اليومية والكتابة العادية، والخط الديواني والديواني الجلي للفرمانات..

أي أصبح لكل خط وظيفة محددة، وأهملوا تماماً الخط الكوفي والخط المغربي، بينما في إيران نجد كثيراً من الرشاقة، خاصة في الأوابد المعمارية التي أدى استخدام مواد خزفية ورخامية فيها إلى إنتاج أنواع من الخط تنسجم مع هذه المواد ومع الذائقة والألوان والموروث الثقافي أيضا.

* كيف يمكننا الحديث عن تطوير الخطوط في حد ذاتها؟

ـ الخط في البداية كان نوعان، التقوير والبسط، البسط هو الذي تطور منه الكوفي، والتقوير هو الذي أتت منه الخطوط المرنة الأخرى، الخط الكوفي سمي بذلك كاصطلاح لأنه قبل إنشاء الكوفة أصلاً، وأطلق على الخطوط التي فيها هندسية لكن هناك عدة أنواع من الكوفي فيها مرونة عالية أيضا كالنيسبوري الذي فيه توريقات وتزيينات جمالية عالية، وهناك الكوفي المربع أو الشطرنجي والكوفي القيراوني.

* لكن تطوير الخط كما يراه البعض لا ينفصل عن تطوير المجتمع ككل؟

ـ الخط ليس مفصولاً عن المجتمع، لكن الفترة التي شهدت الاستقلالات، وشهدت تأسيس الجامعات وكليات الفنون الجميلة وغيرها.. قمنا نحن العرب خلالها بترجمة حرفية لمناهج الأكاديميات الغربية.. أي هناك يدرسون الحفر والنحت والتصوير وغيره.. قمنا بتطبيق ذلك في مناهجنا الجامعية، لكن لم ننتبه إلى الخط العربي.

كما انتبه الصينيون إلى خطوطهم مثلاً، في الوقت الذي يعترف فيه علماء الجمال والنقاد الفنيون في العالم بعائلتين من الخطوط فقط على إنهما مع الفنون الجميلة، الصينية واليابانية، والخطوط العربية، الأولى تنطلق مع علاقة الفراغ بالكتلة، والعربية تنطلق من الحرف والقيم الكامنة فيه من مد ورجع واستدارة وتشابك وتعامد.. وإمكانية البناء والمحافظة على المعنى.. والغريب أن فرنسا تدرس في معاهدها هذه الخطوط، بينما في البلاد العربية التي تطرح شعارات القومية، لم يهتموا بالخط العربي.

* كيف تختار عباراتك، وهل تبحث عن جمالية الحروف المتشابهة؟

ـ في اختيار العبارات أتعامل مع كل ما يمس الإنسان، سواء أكان من مصدر ديني أو غير ديني، سياسي أو غير سياسي.. ابتعد عن الغيبيات، وانطلق من منظوري وفهمي للحياة والعلاقات بين البشر، وأسعى لتحريض العقل العربي الذي أخذ إجازة منذ زمن.. ولا أبحث عن العبارة التي فيها حروف متشابهة، المعنى والدلالة هي أول ما أبحث عنه، ولدي الكثير من المختارات الشعرية، والدينية، من القرآن ومن الكتب القديمة.. الخط العربي صالح وطيع لأي كتابة، الخط العربي فن تجريدي.

وهذه العقلية التجريدية الموجودة في الموسيقى والشعر موجودة في الخط أيضا، والإيقاع في الموسيقى العربية الذي نسمعه، نراه في الخط أيضاً. وفي شغلي أركز على ذلك عبر النقاط، وكما في الشعر بحور، للخط مقامات أيضاً. وتمسكي بالأصول لا يعني أنني منغلق عليها، بل مفتوح على الحضارات الأخرى، اشتغل بمواد حديثة وأدوات حديثة، وأتعامل مع الخامات الأكثر بقاء وليس الأغلى ثمناً.

في البدايات اشتغلت على اللون في لوحاتي، وقسمت العبارة إلى ألوان، لكني فيما بعد شعرت أن هناك ثرثرة لونية تؤثر على عمق اللوحة وأبعاد العبارة ودلالاتها، فالعبارة المجردة تحتاج إلى ألوان مجردة، والثرثرة اللونية قد يكون لها وظيفة شارحة، وهدفي هو تحريض العقل وجعل المشاهد يفكر.

* ما رأيك ـ صراحة ـ بالحروفية والحروفيين؟

ـ لست مع ربط الحروفية بالخط العربي، الحروفية تعود إلى المستوى الأدنى من تجليات الكتابة، أي الوظيفة الأولى قبل أن تتطور لتصبح فناً في تفاصيل جماليات الحرف والكلمة والجملة..انضج مرحلة للحروفية وأقوى فترة لعمل فني معزول عن الخط هي فترة الرواد الأوائل الذين كانوا يحاولون البحث في هذا النوع الفني، ومنهم من استمر ومنهم من توقف بحثاً عن تشريح مختلف وإضاءة مختلفة، كما حدث في مدرسة الخرطوم حيث اكتشفوا أنهم يعملون بالطريقة الغربية دون روح خاصة بهم.

وبالنسبة للمعاصرين، هناك فنانون يشتغلون لوحات حروفية بالطلب ضمن عروض تجارية، وهناك خطاطون اشتغلوا على حروفية خطية، ولكن تحت سقف أصول الخط وقواعده، فالحروفية الخطية تنتمي للخط العربي، لكن تكرار الحرف مثلاً، كان كتمرين وتدريب، ووجوده في اللوحة هكذا لا يشكل فناً، الفن فن الكلمة والعبارة وليس فن الحرف فقط، هذا التجريد يجب أن يوصل رسالة، يحقق معنى ما، دلالة ما، ضمن تعدد المستويات في اللوحة التي تحرك كل الأحاسيس وتأتي كل يوم بجديد.

حوار: محمود أبو حامد