أكد مثقفون مصريون أن التأريخ لحركة الشعر العامي في اللغة العربية ارتبط بشكل وثيق بإسهامات الشاعر صلاح جاهين، الذي تفرد بشكل واضح في خلق صنف أدبي متميز، وتجلى في رباعياته التي تغنى بها مطربو مصر والعرب.
جاء ذلك خلال الندوة التي أقيمت مؤخرا بمناسبة مرور عشرين عاماً علي رحيل جاهين، والتي نظمها المجلس الأعلى للثقافة، بالتعاون مع مركز توثيق التراث الطبيعي والحضارة وجمعية فناني الكاريكاتير احتفاءً بفن الشاعر الفنان صلاح جاهين.
وطالبوا بضرورة السعي الجاد لجمع التراث الأدبي لجاهين، سواء على صعيد الأعمال الشعرية أو النثرية أو تلك الرسوم الكاريكاتيرية، نظراً لأهمية هذه الأعمال وخاصة أنها كتبت في حقبة من التاريخ المصري، هي أكثر الحقب ثراءً بالأحداث وهي فترة النصف الثاني من القرن الماضي.
وأكد جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة المصري أنه برصد حركة تاريخ شعر العامية في مصر يلاحظ ارتباطه بالمقاومة، فهو شعر ضد الطغيان والقهر الذي كان يعانيه الشعب المصري، وأن جاهين بهذا المنظور يعد امتدادا لشعراء المقاومة بالعامية، موضحاً أن هذا الشعر يبدو عنده حبا للشعب المصري الفقير المقهور الذي يغنى ويحتفى به،.
ويأس لما يتعرض له من ظلم، وتحمله من أجله كل قوى البطش والطغيان في تجلياتها المختلفة وأشكالها المتعددة لما يحمله داخله من حب وقيم، تنطوي في مجملها على معاني الرفض لكل ما يشوه معنى الحياة ويسيء إلى الفقراء، ويؤدي إلي ظلمهم، وهو بذلك يراجع الحلم الذي تحمس له ويواصل رفضه لكل القيم والشرور التي قضت على هذا الحلم للبسطاء وقطعت مسار الأمل عندهم، وهو الوجه الثاني لجاهين المقاوم الرافض.
وقال د.عصفور: اتسم شعر جاهين بالترحال الذي كان لا يكف عنه، فقد كان شاعراً وإنساناً وفناناً وكاتب أوبريت، إلا أن ارتحاله في القصائد العامية كان الأكثر أهمية وثراء، فلم يهدأ أو يقتصر على فن واحد من الفنون، وكأن النار المقدسة التي كانت تشتعل داخله تدفعه إلي التجريب والاندفاع في كل سبيل يراه عاملاً مساعداً لتحقيق حلمه الأكبر.
بالانتقال ببلده إلي آفاق الحرية البعيدة عن قوى الشر والطغيان، وهذا كله دفع به للدخول في العديد من المعارك الطاحنة مع كل العقول الرجعية الجامدة دون تردد، وخاض معركة الشعر الحر إلى جانب صديقيه المقربين أحمد عبدالمعطي حجازي وصلاح عبدالصبور في مواجهة العقاد.
سنوات الشباب وأشار الشاعر أحمد عبدالمعطي حجازي إلى المصادفة التي جمعته وجاهين وصلاح عبدالصبور في دار روز اليوسف في مكتب واحد يعملون فيه متجاورين، يكتبون، ويرسمون، وينشدون أشعارهم، ويستقبلون زوارهم، فكانت وكأنها مفتوحة على الحياة كلها، كأنها مصر في تلك السنوات المتفجرة بالشباب الحافلة بالآمال العريضة والأحلام الرائعة، مصر التي كانت تحلم بالتقدم والحرية والعدالة والرخاء، وكان جاهين يحول هذه الأحلام إلى كلمات وأغان، وكان له صوت قوي قادر على أداء أصعب الألحان.
وقال حجازي: « جاهين ليس مجرد شاعر ينظم الشعر بالعامية، ولكنه أحد أبرز رواد الشعر العربي شعر العامية والفصحى، حيث بدأ المصريون ينظمون شعرهم بالعامية المصرية قبل أن ينظموه بالفصحى بثرائها العربي الإسلامي، وأنه قبل البارودي لم يكن للمصريين إلا أغانيهم ومواويلهم وبكائياتهم، وأن شعر جاهين الذي كان يراه العقاد ساذجاً يرتفع إلى درة الشعر ويومض بين أسمى الجواهر التي تجلوها فرادة العبقرية والإلهام».
وأوضح أنه كان لجاهين محاولات مبكرة في نظم شعر الفصحى في القالب العمودي الذي كان سائداً ومتبعا منذ أواخر الأربعينات، ولكن بفعل الحركة الوطنية التي أصبح للعمال وجماعات الاشتراكية تأثير ونفوذ لم تلبث أن جعلته يتحول إلى شعر العامية المصرية - شعر بيرم التونسي وفؤاد حداد- والذي تعرف عليه جاهين شخصياً وتأثر به وقرأ معه شعر المقاومة الفرنسية في ذات الوقت الذي كان يقرأ فيه المعلقات وشعر العامية اللبنانية وقصائد الشرقاوي والبياتي ولويس عوض.
وقال الشاعر مسعود شومان: تتميز قصائد جاهين بالبساطة الشديدة في عدم افتعال تراكيب وصور وأخيلة، ومن ثم تأتي متوازية مع البساطة اللغوية التي تحمل ظلالا عميقة في التعبيرات الشعبية ونداءات الباعة الجائلين، التي كان يعشقها في تضاعيف نصه بمهارة، وكذلك المفردات المرتبطة بالعادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية، وقصص البطولات الشعبية والأولياء علي نحو ما ورد في «الليلة الكبيرة»، وكذلك هيمنة الشكل الرباعي في أشعار جاهين وأزجاله وأغانيه علي نحو رباعيات بيرم التونسي، الخيام، ابن عروس.
وأضاف: اتخذ جاهين لنفسه شكلاً خاصاً لم تعرفه الجماعة الشعبية، وقد اعتمد فيه على بحر البسيط الموالي الأثير، كما تعرف على جناسات الموال بكثافتها الموسيقية على نحو قصائده «على اسم مصر»، «الوحدة»، «الأرض»، «بستان الاشتراكية»، «أهلا بالمعارك»، وكذا معرفته العميقة بالمفرادت النوعية لفلاحي مصر على نحو قصائده «زي الفلاحين»، «أغنية القطن» بما يعكس خبرته الواسعة بهذا العالم وكأنه ولد لأب فلاح.
