الذاكرة الشعبية العراقية غنية، مثل كل ما في هذا البلد من غنى، والمثل الشعبي يشكل ذاكرة وحكمة، استطعت أن أجمع أكثر من ألف مثل شعبي عبر ذاكرتي المثقوبة، دون أن أستعين بمصادر وكتب الأمثال، وأنا أعرف أنني ما جمعت إلا ما نسبته 20% من الأمثال العراقية، أدرك أيضاً أن معظم شباب الجيل الذي يحمل السلاح في أي فصيل كان لم يتعرف على هذه الأمثال، وإلا لاتعظ بحكمتها.
وتخلى عما يحمل من سلاح، إلى ما يضمن له الحياة بكل ما فيها من جمال ومحبة، وقد قال صاحب المثل «النار أولها شرارة» وكذلك قال «النار ما تحرق إلى رجل واطيها».ولعل واقع العراق اليوم لا ينطبق عليه إلا المثل القائل «ظلمة ودليلها الله».
أدعو من خلال هذا المنبر إلى العودة لتلمس كل ما في العراق من جمال حتى ندرك أي صورة سوداء قبيحة تتكرر يومياً دون مبرر، وأقول لهم أذكروا المثل العراقي الذي يقول «بين حانة ومانة ضيعنا لحانا» ودعونا لا نفقد رؤوسنا بعد أن فقدنا اللحى، وحتى لا ينطبق علينا المثل «السمجة بلّيّة قلب» ولابد أن نستمع للمثل الآخر الذي يقول «الزم لحيتك يا فلان، خاف يطيرها الهوا»، والواقع حينما نحتكم إلى منطق، النار والرصاص والسيارة المفخخة لا تبقى لحية لأحد، ولنتذكر المثل الذي سخر من حالات تصور الإنسان لأكثر من قدرته وحاله ويسخرون منه بالقول «أحدب ويتجقلب».
إن ثقافة الأمثال والرجوع إلى رومانسية الأدب قد يبعدنا عن التنازع والصراع وقتل الآخر وابن العم والجار والقريب، ثم نقتل ذواتنا بقتل الوطن، وتذكروا «الدنيا قصيرة، واحبالها جنب» ودعوا الأمور تسير «ونجي بعصا موسى بدلاً من عصا فرعون» كما يقولون بالأمثال، تذكروا جمال بغداد، وروعة كل شبر من هذا الوطن من زاخو حتى الفاو ورددوا قول الشاعر :
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وقد ذكروا بغداد في الأمثال كثيراً مثلما ذكروها بالشعر، وقد قال السلف من أهلنا:
«بغداد ست البلاد».
ومثل آخر يقول «لا حبيب كالأم ، ولا ديار كبغداد».
غير أن شاعراً شعبياً لا أذكر اسمه أحفظ له بيتاً أصبح مثلاً يتداوله الناس يعبر عن حلاوة بغداد وجمالها وارتباطها بحلاوة وعسل التمر.
بغداد مبنية بتمر
شلّع وكُل خستاوي
وقد ضربت عشرات الأمثال بالتمر العراقي، التي انطلقت من بساتين النخيل التي تمتد على أرض العراق من جنوبه حتى شماله، وقد أطلقوا على بلاد الرافدين في الأطالس القديمة «أرض السواد».
وأهل البصرة يعتزون بمدينتهم وطيبتهم وحتى بماء شط العرب، الذي يرتبط بالمد والجزر، فيقولون «اللي يشرب من المدة لازم يرجع» وهم لا يبالغون بالمثل الشعبي «اللي ما يشوف البصرة يموت حسرة» وأنا لم أزرها منذ أكثر من ربع قرن، ولا أخفي حسرتي وشوقي، ولهفتي للعودة إليها لأسجد على ترابها الطاهر، وأغني مجدداً على شواطئ شط العرب ونخيلها وبساتينها وأنهارها.
لم يترك العراقيون جزءاً من الوطن دون الاعتزاز به حتى الأحياء الصغيرة من بغداد، وخبزها فيقولون «خبز باب الأغا حار ومكسب».ماذا لو تراجعنا عما نحن فيه من حقد وبغضاء وعدنا إلى العقل والحكمة للحفاظ على بلد عزيز كان رمزاً ورافداً للحضارات الإنسانية، ومسكناً لكل المضطهدين والمحبين، والطالبين للعلم والمعرفة، والحالمين بوطن العصافير والبلابل، وبسماء مطرزة بالحمام، بلد الضيافة والكرم والشهامة والنخوة.
واعتقد أن الأمور على الرغم من تدهورها لم تصل الحالة إلى الدمار الشامل واليأس، والوقت مناسب للعودة إلى العقل والحوار والتعاون حتى لا نلجأ ذات يوم إلى المثل الشعبي نادمين لنقول ما الذي بقى لنا وما الذي سنحصل عليه «بعد خراب البصرة».
abdulelah_q@hotmail.com