ثمة أسئلة تخطر على البال فجأة فتثير الشجون أو تضفي على غبش الذاكرة زرقة لامعة تبعث فينا الدهشة، وفي أحيان كثيرة تجعلنا نضع يدنا على رأسنا مرددين تنهيدة الغفلة أو اليقظة المصحوبة ببحة الحسرة: «ياااااه»®.

من تلك الأسئلة غياب مجنون الحارة في كثير من المدن والقرى.. فأين مجنون الحارة، وهل هناك أساساً ما يسمى بالجنون؟يقول بعض الأطباء إنه لا يوجد مرض نفسي أو عقلي اسمه «الجنون» بل إن هذا اللفظ لا يعني بالنسبة لهم في ممارسة الطب النفسي أي مدلول ولا يعبر عن وصف لحالة مرضية معينة، غير أنهم لا يستطيعون إنكار حقيقة إطلاق كل الناس صفة «المجانين» للمرضى النفسيين، وأحيانا يمتد هذا الوصف ليشمل كل ماله علاقة بالطب النفسي..

لكن ثمة أطباء يقولون بوجود جنون دائم وجنون مؤقت، ويعرفونه بعارض يصاب به اثر صدمة معينه وقد يزول مع زوال الأسباب.. ومنه ما يكون وراثياً ودائماً، وفي الحالتين تظهر على الإنسان المصاب أعراض جسدية مختلفة، وأحوال وتصرفات غريبة...الخ، وهو مؤذ وقد يضرب بدون أي إحساس بالمسؤولية..

يبدو أن مجانين الحارة خارج كل هذه التوصيفات، فهم في غالبيتهم مسالمون، وعدم العدائية قاسم مشترك عند جميعهم، مع وجود خصوصية لكل منهم، أو ما يمكن تسميتها بـ «الماركة المسجلة» أو حتى طفرة خلقية لا تتكرر، فلا يوجد مجنون حارة يشبه الآخر أو حتى يقلده.

وهم يمثلون أيضاً شرائح متباينة في تقمصهم لشخصيات المجتمع، فمنهم الجنرال ومنهم شرطي المرور ومنهم الشيخ والمعلم والسائق والفنان وزير النساء والولي والدرويش، ومنهم المفكر والمبدع.. ومنهم من يمثل أعلى درجات الحرية، وأعلى مراحل الشجاعة.. وربما العدائي منهم من كانوا يأخذونه إلى المستشفى، أو ما يسمى «العصفورية» في بعض البلدان العربية..

فهل صار كل مجانين الحارات عدائيين، وأي المستشفيات ستتسع لهم أصلاً، هذا إذا منحنا الاهتمام الحكومي بهم صفة الإطلاق؟ أين مجانين الحارة إذاً؟

هل غابوا في بعض الدول بغياب الحارة كلها؟ لكن القرى مازالت قائمة وإن توسعت أو اقتربت أكثر من المدينة، والمدن القديمة مازالت موجودة بحاراتها الشعبية وإن تضخمت عمرانياً وتقلصت علاقات المودة والجيرة وصحبة الطفولة.. فأين مجنون الحارة أو القرية، وما سر هذا الغياب الذي بدأ منذ نحو عشر سنين؟

هل بغيابهم يغيب التعبير الفطري والتلقائي عن ذاكرة الحارة الجمعية، وهل بغيابهم تنعدم المسافات بين العباقرة والناس العاديين؟ أم تطورت خصلة الجنون مع التطور الهائل في وسائل المعرفة والقمع والاستلاب، فصرنا كلنا مجانين حارة ولكن بتوصيفات مختلفة، الأقرب علينا منها حالة «الفصام» الجماعية التي صرنا لا نشعر حتى بوجودها في ظل حالات العجز أمام تعقيدات الحياة ومستجداتها وأفكارها وإعلامها وإعلانها وصراع حضاراتها وعولمتها وكذبها ونفاقها، وتشرذم القيم وتمزق الكرامة وسيطرة الجشع وانتشار تجار الحرب والفتن و.. و.. وعد إن كنت تستطيع العد؟!

وربما الصمت في محطات انتظار الآتي هو الحالة الوحيدة التي تجمعنا سواسية كأسنان المشط، وخاصة بغياب مجانين الحارة الذين كانوا يتكلمون عن كل شيء وفي أي وقت.

abuhamed@albayan.ae