احتفى اتحاد كتاب وأدباء الإمارات مساء أول من أمس بالروائي السعودي هاني نقشبندي على طريقته الخاصة، فقد قدم الناقد عبدالفتاح صبري ضمن نشاط ملتقى الثلاثاء الأسبوعي قراءة نقدية مطولة وشاملة للرواية، كما قدم محمد السمهوري قراءة مكثفة للرواية مسلطاً الضوء على جوانبها الاجتماعية، وذلك في مقر الاتحاد في الشارقة، بحضور حشد من رواد نادي القصة ونادي الشعر ومتابعي الإصدارات الخليجية والعربية الجديدة وعدد من المثقفين والإعلاميين.
هذا وأوضح عبدالفتاح صبري في بداية دراسته أن رواية «اختلاس» الصادرة عن دار الساقي تعد من الأعمال ذات الدلالات النافذة في الوعي المسكوت عنه في الثقافة العربية عامة والسعودية خاصة، وبالتالي فإنها تنضم إلى مجموعة من الروايات التي باتت في الآونة الأخيرة تكشف عن المساحة المخفية بكل علائقها الإنسانية التي تشكل في محملها ثقافة ما نمت السطح أو الثقافة السرية.
نظراً للعوامل والظروف الحاكمة والضاغطة والمسيطرة في رسم آليات التواصل على جميع المستويات والصعد، وفي مجتمع يتخذ من الدين غلافاً قامعاً ضمن منظومة الحلال والحرام، ومساحة من الحرية تحد من التفكير الحر والعلاقات الواضحة، وتفتح باب التأويلات لعلاقات تقام في الستر والخفاء ملتفة على آلة المنع الاجتماعية والأعراف والقوانين الجائرة.
ويرى صبري أن اختلاس تكشف جزءاً من هذه العلاقات ولكنه مسكوت عنه بقوة المفاهيم الاجتماعية السائدة والمنع القانوني حفاظاً على ما تراه السلطات من مكتسباتها الوهمية ـ سلطة الرجل ـ سلطة الذكورة ـ سلطة الدين الممنوحة لفئة منصبة نفسها حارساً عليه..
واللافت أن الرواية تأتي كتابتها من رجل، أي ممن يمثلون السلطة الذكورية في المجتمع، فهل هو انتصار للمرأة، أم تدجين بطريقة جديدة ومحاولة المراوغة للسيطرة والاستمرار فيها ـ أي بمعنى آخر ـ هل اكتفى المؤلف فقط بنبش ما تحت السطح ولم يغص في أعماق المشكلة، بل تمادى في إلباس العفة والطهرانية لبطلة روايته «سارة» المحاطة بأسوار العزلة والإحباط، .
والتي كشفت عن علاقات غير منسجمة بين الذكر والأنثى في المؤسسة الاجتماعية، وقضايا الطلاق الناجمة عن عدم الانسجام الأسري، وكشفت أيضاً التوحش الجنسي والرغبة فيه والجنوح إلى علاقات خارج قنواتها الشرعية. كما كشفت الوجه القبيح للرجل ضمن آليات السلطة الاجتماعية والدينية، ولكنها احتفظت بطهرانيتها على الرغم من أنها امتلكت لحظة السقوط، ولكنها ترفعت..
وبذلك ابتعدت الرواية عن إدانة المجتمع. وفي المقابل البطل الرئيسي «هشام» الصحفي الذي يعيش في بلاد الانجليز، بلاد الحرية بعيداً عن أي قيم ضاغطة أو قامعة ورغم أن البطل كان في هذه الظروف، ومارس حريته في إقامة علاقات مع أخريات، لكنه دوماً كان يعود إلى طهرانيته، فهل هذه أيضاً ارتكازة لعدم إدانة كاملة للمجتمع؟
وتناول الناقد صبري بعض تقنيات السرد في رواية «اختلاس» ودورها الكاشف عن مسارات الأحداث، ومنها بنية المكان الذي قسمه الروائي إلى مكانين مستقلين، الأول في السعودية دون ان يحدد المدينة. ومن سمات هذا المكان انه قامع للمرأة لأن المفاهيم الحاكمة لها نظرة خاصة تجاه المرأة فهي في التراتبية الاجتماعية دون الرجل.
ومن ذلك تنبثق حزمة العلائق الاجتماعية، حين الزواج واللقاء والخروج للعمل والتعليم والاختلاط، هذه البنية الاجتماعية أصابت المرأة بالعزلة والقهر، حيث أن المكان لا يفتح مجالاً حيوياً وانسيابياً لحركة المرأة، لها السيارة الخاصة بها والمنزل الخاص والسوق الخاص.. وكل تلك الخصوصيات لا رجل فيها غير الزوج، فكيف إذا كانت العلاقة سيئة أو معدومة مع هذا الرجل؟
المكان الثاني حددته الرواية تحديداً واضحاً، إنها مدينة لندن، وبرصد حركة البطل الرئيسي «هشام» سنجد أنه يتحرك بيسر وسهولة رغم هويته العربية المناقضة للمشهد العام، ولكن لكونه مجتمعاً منفتحاً، سترى في المكان تشكيلة من شخصيات ينتمون لعدة دول ولديانات مختلفة.. وهذه السمات أعطت لبطل الرواية «هشام» حرية بناء علاقات متنوعة، وحرية البوح والاختلاء والسهر والتعرف على النساء.. لكن الرواية لم ترصد حالة واحدة لعلاقات جنسية، رغم أن ذلك مباحاً في قيم المكان.
ويضيف صبري أن وسيلة المراسلة ولدت حواراً بين هشام كرئيس تحرير لمجلة، وسارة كمشاركة في بريد القراء، وعلى ذلك نشأت علاقة بين المكانين، ففي السعودية كانت القيم الضاغطة هي الباعثة عن استنهاض التمرد والبحث عن مسارب للخروج عنها ولو في الخيال عند الشخصية الرئيسية «سارة» والفعل لغيرها من النساء اللواتي كسرن التابو إما بالطلاق أو بعلاقات غير شرعية، أما المكان «لندن» فكأنه لم يغير من شخصية البطل هشام عبر قمعه للنص وخوفه من السلطة الأعلى، سلطة الرقيب «ولم يغير من نظرته للمرأة.
ومن كبته وقيمه الخاصة، إذ ظل باحثاً عن الأنثى في خياله مع البطلة «سارة» التي لم يرها ولم يعرفها، وظل تواقاً للوصول إلى عنوانها رغم كل علاقاته المباحة مع النساء في لندن.. إنه توق إلى الارتباط بسمات الشخصية المكبوتة.. وتطرق الناقد صبري إِلى الزمان وحركة الشخصيات وتعددها، ومستويات السرد وتقنية الروي.... الخ.
ولكن الرواية أثارت جدلاً بين الحضور، ففي الوقت الذي يرى فيه صبري أن الرواية طهرت سارة وهشام، رأى بعض المداخلين ان الرواية لا تبرئهما من الخيانة، ورأى آخرون أن الرواية لا تتحدث فقط أو تنبش فقط المسكوت عنه، وإنما تتعمق في أسباب وجود هذا المسكوت.. وتطرقت النقاشات إلى البعد الديني في الرواية.
من جانبه أوضح الروائي نقشبندي بعض النقاط العالقة، ورد على أسئلة الحضور حول الجوانب الدينية والبنائية واللغوية في جو مفعم بالحيوية.
الشارقة ـ محمود أبو حامد
