لا أعتقد أن عصراً مر على الإنسانية مثل الزمن الذي نعيشه بكل ما فيه من احباطات، واختلاطات، وموت جماعي في سلسلة متواصلة وكأننا في حراب بشري، وقتل من أجل القتل بلا أسباب ولا مبررات قتل جماعي بربري.
أقول ذلك وأنا رجل مخضرم، زامنت عصوراً وأحداثاً، ومحطات وحروباً، وانقلابات عسكرية سميت ظلماً ومجازاً بثورات، ولعلي صفقت لبعضها، لكني وأنا أتأمل كل تلك السنوات أجد أن الوهم وعدم وضوح الرؤى يشتت مواقفنا ويدفعنا لأن نؤيد أو لا نؤيد ذاك أو هذا.
بعد هذه السنين العجاف، خرجت بشيء واحد قد لا يعارضني أحد من البشر، الذين يملكون جزءاً من الإنسانية.
ما أحوجنا لثقافة الحب والتسامح!!
والحب هنا ليس بمفهومه الجنسي؟
الجنس حالة بيولوجية شأنه شأن الأكل والشراب.
والحب حالة سيكولوجية لا يتمتع بها إلا البشر الذين تسكنهم الإنسانية، وتعتمر الرحمة قلوبهم.
الأديان جميعها بلا استثناء تدعو للحب والتسامح.
السيد المسيح عليه السلام واضح في تعليماته.. وحبه للتسامح وليس أكثر من قوله (من ضربك على خدك الأيسر قدم له خدك الأيمن).
ديننا الحنيف أكثر وضوحاً، بل وضع شروطاً للإيمان بالإسلام ترتبط بالحب، وليس أبلغ من الحديث الشريف للمصطفى عليه الصلاة والسلام «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» والأخوة هنا لا تعني الأشقاء بقدر ما هو تعبير مطلق لأخوة الدين والدم والإنسانية.
وقيمنا وأخلاقنا، كلها ترتبط بالحب، ثيمة، وفلسفة، ودعوة، وثقافة، والحب تربية تبدأ منذ الصغر، وابتداءً من حضن الأم، وحديقة الروضة، وباحة المدرسة، الحب جزء من التربية التي يمكن أن نعممها على بيوتنا ومدارسنا ومجتمعاتنا، وأجهزة إعلامنا، لابد من نبذ الكراهية والحقد والانتقام.
إن للحب فلسفة، وثقافة.
والحب صفة إنسانية لا يتصف بها إلا الإنسان.
والحب كما يقول نزار :
الحب في الأرض بعض من تخيلنا.. لو لم نجده عليها لاخترعناه، كل العلاقات الإنسانية بين أبناء البشر ترتبط بثقافة الحب، الصداقة والعلاقات الأسرية، الأخوة والأبوة والأمومة، وعلاقات الرحم، علاقة الزوجين.
والمجتمع الذي يسوده الحب مجتمع متوازن، متكافئ، قليل الإشكالات والانزلاقات، والحوادث المروعة، يرفض ثقافة الموت، والاغتيال، وكاتم الصوت، والمدفع الرشاش، والقنابل العنقودية، والأسلحة بأنواعها. إن ثقافة الحب، هي ثقافة الإنسان المتحضر المتعايش مع أخيه الإنسان، بغض النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والطائفية، والجنس واللون واللغة والانتماء والإيديولوجيات... الخ.
ماذا لو كان الحب هو الأساس في كل المجتمعات الإنسانية ؟!
ألم يحن الوقت لنبدأ للتبشير بثقافة الحب، ولعلي هنا أضطر لتكرار أن الجنس ليس هو الحب هناك العديد من المخلوقات تمارس الجنس بلا عاطفة الحب، وهناك علاقات حب بلا ممارسات للجنس.
إنني هنا أدعو لثقافة سامية إنسانية أساسها وثيمتها وهدفها الحب بين كل الناس بلا تفريق، أما الجنس فله شأن آخر، إن البشرية جمعاء التي تعيش على هذه الكرة، لا تحتاج إلى المأكل والمشرب والهواء بقدر حاجتها إلى سيادة ثقافة الحب على هذا الكوكب، في زمن أغبر، مظلم، مخيف لا يبدو أن هناك نوراً في نهاية النفق.
إنها دعوة للحب.. في زمن فقدت البشرية الكثير من إنسانيتها ونسيت معنى كلمة الحب، ومن ذكرها ربطها بالجنس خطأً وأسفاً.
abdulelah_q@hotmail.com