نحاول بهذه القراءة أن ندخل إلى مجال الأدب والثقافة المقررة في منهاج التعليم العام للمراحل الدراسية في الدولة، وذلك للاطلاع على مضمونها ومدى ما تحقق منها من أهداف، وان كانت هذه الوجبة المقررة ـ في مجال فن القصة أو المسرحية أو الرواية وبعض السير لعدد من الشخصيات الإسلامية والتاريخية- قد حققت المطلوب منها.
أو ان استطاعت أن تعكس حراك الواقع الثقافي، ومدى تسليط الضوء منها على إنتاج الكاتب المحلي، وإذا ما كانت قد وفقت في تقديم (بانوراما) شاملة أو شبه شاملة لأنماط ولنماذج الأدب العربي، وإذا ما كانت قد شملت كل الفنون الأدبية كالمقال والشعر أيضا، وإذا ما كانت قد نجحت برفد الساحة بمواهب إبداعية واعدة في مجالات الفنون الأدبية المختلفة؟!
تهتم المناهج التربوية والتعليمية في خططها بالجانب الأدبي والثقافي حيث تقوم على اختيار عدد من النماذج القصصية والمسرحية المنتقاة وإدراجها ضمن المقرر الدراسي حسب المراحل التعليمية. لا شك في أن القائمين بهذا الانتقاء يراعون الأعمار والمراحل الدراسية التي توجه هذا النص إليها أو ذاك عند الاختيار إلى جانب الأهداف المرسومة لهذه العملية والمرجو تحقيقها حسب الخطة الموضوعة.
ونظرا لأهمية هذا الجزء من المنهاج الدراسي المقرر على مراحل التعليم المختلفة في الإمارات ارتأينا تسليط الضوء عليه؛ للوقوف على الأعمال الأدبية المدرجة والمقررة لمختلف المراحل لعلنا نخرج بصيغة أو بتصور حول هذا الجانب؛ خاصة مع ما تحتاج إليه الساحة الأدبية من رفد ببراعم إبداعية جديدة في المجال الأدبي، على الرغم من كثافة خريجي وخريجات الجامعات عموما والكليات الأدبية خصوصا.
يبدو أن الجهات المختصة في وزارة التربية والتعليم والمعنية بالبرامج التعليمية لم تدخر جهدا في هذا الجانب في محاولة تقديم وجبة متنوعة ومختلفة من فنون الأدب على الرغم من اعتمادها الأكبر على الأدب القصصي وقليل من الأدب المسرحي أما الرواية فقد اكتفت وبتصرف برواية واحدة، أما الشعر فلم يدرج ضمن مقررات مادة البحث هذه ولعلها تكون مادة مستقلة لبحثنا اللاحق. هذا التوجه في تقديم هذا النوع من العلوم لهو مصدر تقدير للجهة التي اقترحت وأعدت وقررت، باعتبار الأهمية الأدبية والذائقة الفنية في الجانب الأدبي التي تستحق التنمية والتوجيه والرعاية والحرص.
وكنا قد بدأنا في قسم القراءة المنشورة أمس من الكتاب الأدبي المقرر على الصف العاشر، وهانحن اليوم نعود إلى مدخل المقررات الأدبية إن جازت تسميتها ونجد أن وزارة التربية والتعليم في الدولة قد بدأت بطرح المقرر من الصف الخامس وإلى نهاية المرحلة المدرسية التي تكتمل بالصف الثاني عشر بقسميه العلمي والأدبي مما يعني أنها قد أدرجت ثمانية كتب تعنى بالإبداع الأدبي.
حيث تم تخصيص كتاب حمل عنوان (قصص مختارة) للصف الخامس وقد روعي في هذا الاختيار أن تأتي القصص تارة في منظور إسلامي وتارة أخرى في منظور اجتماعي وتارة أخرى في وطني ثم ديني وأخيرا علمي، وذلك من خلال تقديم عشرة نماذج قصصية مقسمة على فصلي العام الدراسي، ليكون نصيب كل فصل خمس قصص.
جدير بالذكر أن كتاب الصف الخامس جاء في (108) صفحات من القطع الكبير المدعم بالرسوم التعبيرية الملونة، ويعقب كل قصة ما يسمى بالنشاطات التعليمية والتقويمية حول ملاحظة الفهم والاستيعاب والقراءة والأداء واللغة والتراكيب إلى جانب التدريب على فهم المواقف وتحليل الشخصيات وتحليل النص، كل هذا هو المطلوب (فقط) من تلميذ الصف الخامس، ومن خلال عشرة نصوص مختلفة المضامين!
ويحمل الكتاب الموجه للصف السادس العنوان ذاته أي (قصص مختارة) كما يشتمل على عشرة نصوص هي الأخرى توزعت بين الوطني لكن في إطار خيالي، وبين الإسلامي والاجتماعي والعلمي وزاد عليها هنا هو المجال أو الإطار التاريخي. ويلاحظ ضمن هذا المقرر أنه الوحيد الذي اشتمل على نص إماراتي وحيد للكاتب إبراهيم مبارك من خلال قصة (سيف والجرجور) كما اشتمل على قصة لكاتب أردني هو د.احمد عرفات الضاوي.
وما يثير الاعجاب والعجب في آن اشتمال الكتاب على قصة الكاتب التركي المعروف عزيز نسين بقصته المهمة (أطفال آخر الزمان) بترجمة عمر عدس لكن الغريب أن توضع القصة في آخر الكتاب وقد تركت كنص للقراءة والدراسة الذاتية على الرغم من أهميتها وضرورة وضعها ضمن النشاط التعليمي والتقويمي الذي سارت عليه النصوص قبلها نظرا لمضامينها التي ينبغي لفت نظر الدارسين إليها!
يذكر أن النصوص تصاحبها رسومات تعبيرية؛ وما يؤخذ على النصوص أنها تميل إلى الطول والإسهاب الممل مما قد يشتت الدارس ويؤدي إلى انصرافه عن إكمال المتابعة وبالتالي يفقد الاستمتاع والاستيعاب. جدير بالذكر أن هذا الكتاب جاء في(160) صفحة من قطع يزيد على الوسط ولا يقل عن القطع الكبير إلا بـ (2سم) وهو ذو ورق صقيل وثقيل كسابقه.
أما الكتاب المقرر على الصف السابع فقد حمل عنوان (مواقف من حياة الصحابة والتابعين) ويركز على المطالعة الذاتية كما كتب على غلافه. ولم يختلف تقسيم الكتاب عما سبقه حيث يغطي فصلي العام الدراسي؛ غير أن النصوص المقررة هنا قد نقصت إلى ثمانية فكانت حصة كل فصل أربعة نصوص، جاءت جميعها في قالب إسلامي مع تنوع المضامين التي دارت حول القيم؛ بعضها تناول (العقيدة والإيمان) .
وبعضها اتجه نحو (القضاء في الإسلام)، وجاء البعض الآخر حول (الإنفاق في سبيل الله)، وحول (البطولة والتضحية)، و(الدعوة وأهل الخليج)، و(الزهد والوعظ)، و(العلم والمعرفة) كما تم اختيار نماذج إسلامية لاستعراض شخصياتهم، وهم (فاطمة بنت الخطاب)، و(خالد بن الوليد)، و(شريح القاضي).
و(عبدالرحمن بن عوف)، و(أبو دجانة)، و(الجارود)، و(سالم بن عبدالله بن عمر)، و(عبدالله بن عباس). وكانت أهداف القياس في منهاج هذا المقرر هي المفردات الجديدة، والفهم والاستيعاب، والمعجم والتذوق، وتحليل الشخصيات من حيث الملامح والصفات، والأحداث والمواقف، ومن ثم النشاط المصاحب. وقد جاء الكتاب في(132) صفحة من القطع المتوسط.
واقتصر المقرر المخصص للصف الثامن على اختيار كتاب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من خلال التركيز على ثمانية جوانب من جوانب العظمة في شخصيته (صلى الله عليه وسلم) بهدف تغذية القيم الروحية عند المتعلم، واستلهام العبر والدروس من حياته (صلى الله عليه وسلم) وسيرته وصفاته الكريمة ومواقفه العظيمة، من خلال محتوى ثقافي تناول موضوعات مثل (الأبوة في سيرة المصطفى)، (رحمة المصطفى وبره)، (العمل في تعاليمه)، (القيادة في مغازيه)، (الثبات في حياته)، (كرم المصطفى وعفوه)، (تقواه وزهده)، (بلاغته وفصاحته)، ويخضع كل مجال من هذه المجالات إلى نشاطات تعليمية وتقويمية؛ تقيس الفهم والاستيعاب، والمعجم والتذوق، والمواقف والأحداث، ثم الدروس والعبر، ويأتي النشاط المصاحب وهو غالبا من خارج نطاق المقرر. يقع الكتاب في (146) صفحة من القطع الوسط.
ونطالع كتاب الصف التاسع وقد حمل غلافه عنوان (قراءات في الأدب العربي) واشتمل على عشرة نصوص مقسمة على فصلي العام الدراسي كالعادة. تصدرت الكتاب قصة واقعية بعنوان (الجنيهات الخمسة) حيث تم التصرف بمتنها وتغيير عنوانها من (الشحاذ) كما كانت وكما أراد لها كاتبها إلى الجنيهات الخمسة.
كما أرادت لها لجنة الاختيار، والقصة هنا للأديب المصري محمود تيمور، وأخرى بعنوان (قصتي مع السم الأبيض) للكاتب المصري وجيه أبو ذكري وهي واقعية قدمت بتصرف أيضا، وأخرى بعنوان (زهد عمر وتقواه) تتناول شخصية عمر بن عبدالعزيز الورع للكاتب المصري عبدالحميد جودة السحار.
ومن أعمال عميد الأدب العربي طه حسين تم اختيار قصة بعنوان (أيام الطفولة) من المجموعة الكاملة للأديب المصري الراحل، كما تم اختيار جزء من الفصل الثالث لمسرحية شروق الإسلام في مصر بتصرف، بعنوان (شروق الإسلام) للكاتب المصري د. احمد شوقي الفنجري، ومشهد من مسرحية أغنية الموت، للكاتب المصري توفيق الحكيم بعنوان (أغنية للحياة) ونص مسرحي بعنوان (بهلول والوجه الآخر) للكاتب جمال محمد سالم بالعمى.
وكان للقص الشعبي نصيب في مقرر الصف التاسع حيث نجد من الملاحم الشعبية مشهداً من قصة علي الزيبق وصلاح الكلبي مأخوذاً من القصة الشعبية علي الزيبق ودليلة، ثم يختم بقصة عنترة بن شداد للكاتب يوسف بن إسماعيل من أدباء الدولة الفاطمية كما جاء في هامش الكتاب.
يلاحظ بأن كل النماذج المختارة لهذا الصف إذا استثنينا نص (بهلول والوجه الآخر) الذي لم تتم الإشارة الواضحة إلى كاتبه ولم يتم التعريف به جيدا؛ هي نماذج لكتاب مصريين مما يخالف عنوان الغلاف (قراءات في الأدب العربي)! ولم تختلف الأهداف هنا عما سبقها حيث تخضع للقراءات التحليلية من قبل الطالب، كما تخضع للنشاطات التعليمية والتقويمية حول المواقف والأحداث والشخصيات والبناء الفني والنسيج اللغوي، وأخيرا النشاط الحر.
ولعل الإشارة المختصرة التي تضمنها الكتاب بنبذة مختصرة عن ميلاد فن القصة العربية الحديثة، وعن انتشارها في الوطن العربي الكبير، وما جرى على القصة العربية من تطور في الشكل والمضمون حيث صعد بها إلى مستويات عالمية جعلت أحد كتابها المرموقين وهو الأديب الكبير الراحل نجيب محفوظ يحصل على جائزة نوبل للآداب عام 1988.
نقول لعل تلك النبذة هي الملمح الوحيد ذي الدلالة على الأدب العربي. كما تمت الإشارة وبشكل مقتضب إلى القصة في الإمارات وارتباطها بالطفرة النفطية وما واكبها من توسع في التعليم وتطور الثقافة والفكر وتغيرات في الحياة الاجتماعية؛ كل ذلك في ما لا يتجاوز مساحة الفقرة.
وعلى الرغم من أن الكتاب يحمل عنوان (قراءات في الأدب العربي) إلا أنه اقتصر على كتّاب قطر عربي واحد هو مصر باستثناء كاتب واحد ربما، الأمر الذي يناقض ويخالف التوجه حسب العنوان، ويتجاهل بالتالي أدباء العالم العربي الآخرين بمن فيهم الأديب المحلي. يذكر أن هذا الكتاب يقع في (160) صفحة من القطع المتوسط.
فاطمة محمد الهديدي
