لا يمكن أن نذكر دورة الخليج دون أن نشير إلى الشيخ عيسى بن راشد آل خليفة نائب رئيس المؤسسة العامة للشباب والرياضة رئيس اللجنة الاولمبية البحرينية الذي ارتبط اسمه وتاريخه بدورات الخليج، منذ أن بزغ فجرها في العاصمة البحرينية المنامة عام 1970 ليكون الشيخ عيسى بن راشد أشبه بقرص الشمس التي تنثر نورها كلما حلت علينا الدورة بفضائها الجديد.
والجلوس مع الشيخ عيسى بن راشد هو جلوس مع التاريخ الكروي في بطولات الخليج، جلوس مع رجل كان شاهدا على انطلاقة الفكرة التي تحولت من حلم إلى حقيقة جسدت في معناها لحمة أبناء المنطقة فخليجنا واحد وشعبنا واحد.. وبعيدا عن الترشيحات والمنافسات الضارية في المباريات المنتظرة في النسخة الثامنة عشرة التي تستضيفها إماراتنا خلال يناير الجاري سألته عن رفيقيه الشهيد فهد الأحمد والأمير فيصل بن فهد،
وأنا أعرف عشق الشيخ عيسى لهما ومتوقع إجابته عنهما إلا أن الفضول قادني الى ان أسأله لأناظر عينيه وهو يتكلم عنهما وكأني شاهدت بريقهما بمجرد ذكرهما فسبحت مع الشيخ عيسى في بحر الذكريات لثوان معدودة والتي إن أردنا التكلم عنها لربما احتاجت صفحات وليس صفحة واحدة.
ومما لاشك فيه أن الصراحة أيضا جزء من هوية ضيف «البيان الرياضي» فتحدث بكل شفافية عن قضية التجنيس وتناول أيضا المنتخب البحريني معللا أسباب تراجع مستواه عما كان عليه عام 2004 ،قبل أن يحط رحاله في ختام حوارنا رد فيه على ما قاله الشيخ طلال الفهد في حوار سابق له مع «البيان الرياضي».. فماذا قال الشيخ عيسى وما هي آراؤه؟ كلها نجدها في الحوار التالي..
ـ بعد انقضاء 36 عاما على انطلاقة دورة الخليج، كيف تراها الآن؟
ـ مع حلول النسخة السابعة عشرة انقسمت المنتخبات المشاركة في الدورة إلى مجموعتين وللحقيقة خفنا أن تفشل لأنه سبق وأن جربت هذه الفكرة سابقا في الكويت وكانت فاشلة آنذاك إلا أنها في قطر لقيت كل النجاح بل والنجاح الكبير وها هي الفكرة ستطبق في النسخة الثامنة عشرة التي تستضيفها الإمارات وأتمنى أن تنجح مجددا.
ـ وكيف تتوقع خليجي 18؟
ـ أتوقع أننا سنجد الإثارة في الدورة المقبلة سيما وأن هناك أكثر من منتخب قوي، لربما كنا نتمنى أن تلتقي المنتخبات القوية مع بعضها البعض لتضفي إثارة أكبر على البطولة ولنرى مستوى فنياً مرتفعاً.
ـ لكننا بالفعل شاهدنا مستوى فنياً جيداً في البطولة السابقة؟
ـ دعني أكون معك صريحا وأقول لك أن المستوى الفني بدأ يهتز في مباريات دورة الخليج عما كانت عليه في البطولات السابقة.
ـ ولكن كرة الخليج تطورت في السنوات الأخيرة؟
ـ كرة الخليج تطورت بصورة أفضل عما كانت عليه في السابق ولكن يبقى هذا التطور دون طموحاتنا، فنحن نتمنى أن تصل أكثر من دولة إلى نهائيات كأس العالم وتفوز أيضا بكأس الأمم الآسيوية.
ـ لماذا؟
ـ حقيقة لا أعرف السبب، هل هو إعداد المنتخبات مما أصابها بالإرهاق والشد العصبي والنفسي خاصة وأن العامل الأخير يصاب به اللاعبون في دورة الخليج، وعموما إن دورة الخليج لا تستطيع أن تحكم عليها من خلال المستوى الفني فقط.
ـ لذا هي دورة المفاجآت في غالب الأحيان؟
ـ نعم هي دائما دورة المفاجآت وربما تعتقد من الوهلة الأولى أن هناك منتخبات معينة هي الأقوى والأقرب للظفر باللقب، لكنك تفاجأ في بعض الأحيان بمستوى فني عادي تقدمه هذه المنتخبات المرشحة بل ومتدن في بعض المباريات من بعض المنتخبات التي نعتبرها من أكبر المنتخبات، كما أن البطولة تبدأ وهناك منتخب مرشح للفوز باللقب إلا أن النهاية تشهد مفاجأة كما حدث في خليجي 17.
المفاجأة إماراتية
ـ وهل من الممكن أن نشهد المفاجأة في خليجي 18؟
ـ نعم، بل قل ان ثمة مفاجآت ستحدث وليست مفاجأة واحدة فقط.
ـ ومن الذي تتوقع منه أن يحدث المفاجأة؟
ـ منطقيا وعمليا الإمارات
ـ منتخبنا.. لماذا؟1
ـ المنتخب الإماراتي يلعب على أرضه وبين جماهيره، ويمتلك خبرة طويلة في دورات كأس الخليج، كما يشرف على الجهاز التدريبي مدرب كفء، كما خاض منتخبكم ويخوض مباريات ودية كبيرة، ولذا من المنطق أن تكون الإمارات المرشح الأول برأيي للبطولة، ولكن السؤال هل سيحدث هذا الأمر؟
أسماء مجهولة
ـ دعنا نتحول إلى المنتخب البحريني، لماذا حدث تراجع في مستواه الفني؟
ـ دعني أشير لك إلى نقطة مهمة، ما لم تعد فريقا رديفا مرعبا للاعبي الفريق الأول ويشعر لاعبوه أن هناك من بمقدوره أن يحل مكانهم في أية لحظة لن تجد جهداً للاعبين يذكر والعكس صحيح حينما يشعر لاعبو الفريق الأول بأن هناك من ينافسهم بفريق الرديف تجدهم يبذلون قصارى جهودهم من اجل تحقيق المزيد من النتائج الايجابية.
ونحن في البحرين ركزنا اهتمامنا على لاعبي المنتخب الأول وتركنا الفريق الرديف دون عناية واعتمدنا على لاعبين نصفهم محترفون في الخارج و لا يحضرون إلى المنتخب إلا قبل المباريات بيومين أو ثلاثة وهنا أتساءل كيف سنجد الانسجام بين لاعبي المنتخب. كما أن الاعتماد على 11 لاعبا أو 12 وحتى 23 لاعبا لن يؤدي إلى نتيجة ولذا يجب أن تكون هناك قاعدة أكبر من اللاعبين.
ـ هل أفهم أنه توجد مشكلة لديكم تتعلق بحجم قاعدة الموهوبين؟
ـ لا أبدا لا توجد لدينا مشكلة في عدد اللاعبين الموهوبين، ولدينا العديد من اللاعبين الجيدين.
ـ إذا أين الخلل في هذه المعادلة التي تتكلم عنها؟
ـ لدينا خلل في كثرة تغييرات الأجهزة التدريبية، حيث أرى من وجهة نظري الشخصية إذا لم يبق المدرب ثلاث سنوات على أقل تقدير أو أكثر في منصبه لا ينجح أو على الأقل نقول نجح هذا المدرب أو فشل، ونحن في البحرين لا يوجد لدينا مدرب استمر ثلاث سنوات في منصبه، كما أن اختيار المدربين لدينا غير دقيق، وبصراحة مدربو البحرين أسماء مجهولة في عالم التدريب ولكن نحن من اكسبها الشهرة.
ـ لكننا لمسنا منتخبا بحرينيا قويا على يد الكرواتي ستريشكو؟
ـ ستريشكو كان مدربا لفريق الرفاع قبل أن يكون مدربا للمنتخب، وأكبر عيوبه أنه لا يعرف يجري تبديلا باختيار اللاعب المناسب للنزول إلى أرض الملعب، ولذا غالبا يعتمد على مساعده في ذلك وهذا ما كان يحدث في فريق الرفاع، أما في المنتخب فكان الجميع يتدخل في عمله.
ـ كأني بك متشائم يا شيخ من المشاركة البحرينية في خليجي 18؟
ـ لا على الإطلاق، أنا لست متشائما بل متفائل حيث كنا في كثير من الدورات غير مؤهلين للمنافسة على لقب الدورة لكننا حققنا نتائج إيجابية.
ـ وهل منتخبكم قادرعلى تجاوز مجموعته والتأهل للأدوار النهائية؟
ـ مجموعتنا في غاية القوة ولا أدري كيف جمعت القرعة هذه المنتخبات في مجموعة واحدة كالسعودية وقطر والبحرين والعراق فهي منتخبات في غاية القوة.
ـ كأنك تقول انها أقوى من المجموعة الأولى؟
ـ نعم هي كذلك.
ـ البعض يراها الفرصة الأخيرة للمنتخب البحريني للمنافسة على اللقب، هل تتفق مع هذا الرأي؟
ـ لا، فهي ليست الفرصة الأخيرة ولن تكون، كما أنها ليست الفرصة الأولى، فالبحرين شاركت وها هي تشارك وستبقى تشارك في دورات الخليج وطالما تشارك فهي تسعى للمنافسة والفوز باللقب إذا آن الأوان، ولكن متى يأتي؟.. لا أعرف. فالدليل على كلامي أن المنتخب السعودي الزاخر بالنجوم في الثمانينات مثل النعيمة وماجد عبدالله وغيرهما لم يفوزوا بدورة الخليج، بيد أنها تحققت على يد منتخب أقل نجومية وبمدرب وطني وكان ذلك في الدورة الثانية عشرة في أبوظبي.
التجنيس
ـ في خضم هذه السنين الطويلة، وبعد جملة التغييرات التي طرأت عليها، هل فقدت دورة الخليج بريقها؟
ـ الدورة في الماضي كانت إقليمية بسيطة تجمع دول الخليج مع بعضها البعض، أما اليوم فقد انضم إليها منتخبا العراق واليمن مما زاد من اتساع رقعتها. هذا من جانب، ومن جانب آخر باتت دورة عالمية تنقل عبر الأقمار الصناعية إلى كافة دول العالم لدرجة أن المشاهد القاطن في أوروبا أو اميركا يمكنه الآن متابعة تفاصيل البطولة من خلال البث الفضائي. ثم أن المردود المادي للبطولة الآن أفضل، حيث كان في السابق (صفرا)، والدولة تتحمل كافة المصاريف المتعلقة بالبطولة، أما اليوم فإن المردود المادي يصل إلى 12 مليون دولار ويسهم كثيرا في دفع تكاليف الدورة.
ـ لكن ثمة جديدا لم تتطرق إليه، وأعني هنا عملية التجنيس التي نشهدها في بعض المنتخبات؟
ـ التجنيس لغة عالمية، لكني أخاف على دورة الخليج من أن يزيد معدل التجنيس فيها عن الحد المعقول، وأنا شخصيا لا أمانع من تجنيس لاعب أو اثنين، لكن أكثر من ذلك كأن دورة الخليج أصبحت بطولة أندية وليست تلك الدورة العريقة التي نعرفها ونعيشها منذ عشرات السنين، كما أن عملية التجنيس هذه ستسلب الحماس الشديد من الجماهير.
ـ هل يمكن القول ان القوى الكروية التقليدية في منطقتنا هي القادرة على خطف الكأس في أبوظبي؟
ـ دورة الخليج غدّارة بنتائجها وصعبة في نفس الوقت، ولذا فالترشيح صعب فيها، فمثلا في الماضي كان التفوق الكويتي ظاهرا ثم جاء بعده العراقي، والآن نعيش عصر تفوق الكرة السعودية، لكن في المقابل فإن المستوى الفني لبقية المنتخبات ارتفع عما كان عليه في السابق وأصبحت تنافس على لقب البطولة بقوة أكبر فباتت مسألة تحديد البطل أكثر صعوبة لأن المفاجآت جزء من الدورة.
اشتياق
ـ لنعد قليلا إلى الوراء لأسألك عن رفيقي الدرب الشهيد فهد الأحمد والأمير فيصل بن فهد، رحمهما الله، ومع كل انطلاقة لدورة الخليج، هل تسترجع الذكريات معهما؟
ـ (يجيب بنبرة حزن).. إنني أشتاق إليهما دائما، فهما رفيقا الدورة قبل مماتهما، فكنا نبقى دائما معاً نحضر المباريات، ونتندر على بعضنا البعض لدرجة أن المنصة كانت الجلسة فيها لها طعم خاص، لذا أنا أفتقدهما كثيرا الآن.
ـ وماذا تشعر مع بداية كل بطولة في ظل غيابهما؟
ـ أن جانبا مهما من حياتي قد فقدته.
ـ ولكن الآن أيضا المنصة عامرة بالشيوخ الشباب ومازالت روح الإثارة موجودة من خلال التصريحات أيضا، كما السابق؟
ـ اليوم يجلس في المنصة مجموعة من الشباب هم أولادي وبالتالي لا أستطيع أن أكثر بالكلام عليهم ولا أعلق كثيرا كما السابق أو نتندر على بعضنا البعض وذلك بسبب فارق السن بيني وبينهم.
ـ لكن الشيخ طلال الفهد قال ان كأس الخليج تحب الكويتيين ويحبونها بينما أنتم مع بقية المنتخبات علاقتكم مع الكأس من طرف واحد؟
ـ الكويتيون محظوظون بكأس الخليج، لكنهم اليوم ليسوا كما الأمس، فاليوم لا يرعبون ولا (يخوّفون) والأزرق كان يرهب منافسيه سابقا لكن الحال تغير الآن بدليل أن الفترة الأخيرة شهدت فوز البحرين على الكويت غير مرة بعكس الماضي، كما أن المنتخبات الأخرى استقوت وباتت لا تخشى الكويت.
حاوره: عمر جمعة


