في 21 أكتوبر 1895 وحال انتهائه من كتابة «النورس» أرسل تشيخوف إلى صديقه وناشره أليكسي سوفورين محرر صحيفة الأزمنة الحدية رسالة يصف فيها مسرحيته بهذه المسرحيات المقتضبة: «كوميديا، ثلاثة أدوار نسائية، ستة أدوار رجالية، منظر طبيعي، حديث كثيف عن الأدب، حدث قليل، و80 كيلو من الحب». وقد اختار المخرج فيليب أدريان أن يوظف هذه المقولة في عرضه لمسرحية النورس وقد تم ذلك عبر إسقاطها على شاشتين على جانبي مقدمة الخشبة وكذلك فعل بالنسبة للإرشادات الإخراجية التي تتصدر فصول مسرحية تشيخوف الخامسة.

تتناول هذه المسرحية حياة الشاب تريبليف الذي يسكنه هاجس أن يصبح كاتبا مرموقا وكذلك حياة حبيبته نينا التي هي الأخرى تطمح إلى اقتحام عالم الأضواء كممثلة مشهورة لكن هذه الأحلام تتكسر على صخور الواقع إذ تنتهي المسرحية بانتحار تريبليف الذي يفشل في كسب اعتراف أمه بموهبته ككاتب .

ويخسر حبيبته نينا التي تنساق إلى الكاتب تريغورين وتوافيه إلى موسكو لتحمل منه بطفل لا يلبث أن يموت ويهجرها تريغورين ليعود إلى عشيقته أركادينا. وثمة حبكات موازية أخرى تدور في فلك الحبكة الرئيسية هي قصة ماشا ابنة شمراييف المسؤول عن القرية التي تعود ملكيتها لسورين خال تريبليف والتي تدور فيها الأحداث. تحب ماشا تريبليف ولكي تتناسى هذا الحب الذي لا يجد صداه فإنها تلجأ إلى الزواج من المدرس ميدفينكو.

في هذه المسرحية يقابل تشيخوف زوجين مختلفين ينتمي كل منهما لجيل معين حيث تختلف طريقة حياة كل جيل وأهواؤه وأحلامه. فالشخصيات تبحث عن مثل أعلى لا يصلون إليه في كثير من الأحيان. ينتظرون شيئا لا يأتي أو أنهم يلقون بنفسهم نحو مستقبل مستحيل.

وهكذا فإن تريبليف يتساءل في بداية المسرحية عن أهمية المسرح ويقلل من أهمية البحث عن أشكال جديدة في الكتابة المسرحية. إنه يرفض التقاليد الكلاسيكية وكل ما هو متفق عليه ويقر بأن الكتابة عليها أن تتحرر من القيود والقواعد السابقة.

أما نينا، فهي ترافق تريبليف في سعيه لإيجاد مكان ما في عالم المسرح فهي تريد أيضاً أن تصبح ممثلة معروفة مثل أركادينا أم تريبليف. وهكذا فهي تقع في غرام الكاتب تريغورين عشيق أركادينا وترحل معه إلى موسكو. وخلال عامين تعيش تجربة أخرى بعيدا عن تريبليف إلى أن تعود إلى القرية وتروي له كل ما حدث لها خلال غيابها.

لقد عمد المخرج فيليب أدريان -الذي أخرج العرض على مسرح«لا تامبيت» في باريس- بالتعاون مع المترجم فلاديمير أنت على ترجمة هذه المسرحية ترجمة جديدة رغم وجود أكثر من خمس ترجمات فرنسية لها (أشهرها ترجمة أنطوان فيتيز ومارغريت دوراس).

وذلك لكي يتمكن من تحميل النص بمقولاته الخاصة وليقدم قراءة جديدة لهذه المسرحية التي ما فتئ كبار المخرجين يتعاقبون على إخراجها على نحو ما يشير أدريان في تقديمه للعرض إذ يضعها في مصاف «طرطوف» موليير و«هاملت» شكسبير. والحقيقة أن هذه الإشارة لم تكن اعتباطية إذ إن المخرج قد عمد على إضفاء قراءة أوديبية على روح النص التشيخوفي ولعل المتفرجين يتذكرون مشهد محاولة هاملت لقتل عمه والتي تتماهى مع مشهد تريبليف ورغبته في قتل الكاتب تريغورين (عشيق أمه).

أضف إلى ذلك الكثير من المفاصل الشكسبيرية التي تتلامح بين فصول إخراج أدريان والتي هي من صلب النص التشيخوفي أصلا وفي مقدمتها مشهد مسرحية تريبليف الذي يقدمه أمام أمه وعشيقها الكاتب (مسرحية هاملت/ المسرح داخل المسرح). تدور أحداث المسرحية في زمن غير محدد وهكذا فإنها تأخذ بعداً خاصاً يجعلها تصلح لكل زمان حيث إن تشيخوف يركز على المواضيع الإنسانية أكثر من أي موضوع آخر.

باريس ـ منتجب صقر