لم يسبق له الظفر بكأس العالم، لكنه يتحدث كما لو انه فاز في كل مونديالات المعمورة، واثق جدا - مزود وجنوده بشحنة لا مثيل لها - سهل ممتنع - يوحي إليك أنه يحمل جعبة فيها (كلشي وكلاشي) - عنيد - واضح، لكنه وفي ذات الوقت غامض كأحوال بلاده التي تقوم فيها قيامة الأشياء كل يوم بل في كل لحظة!

وما إن تدنو منه، حتى يشعرك بأصوات الرصاص وأزيز الطائرات ودخان الأحداث الدامية في موطنه الذي علم الإنسانية، الكلمة الأولى. أكرم احمد سلمان، مدرب منتخب العراق الأول لكرة القدم في خليجي 18، يجبرك على أن ترفع له ولمقاتليه، قبعة الإعزاز والاحترام حتى لو تسرب الغرور إلى شريان كلماته التي لا يجد فيها أي عراقي، إلا أملا وإشراقة في يوم وليل طالت ظلمتهما في بلاد ما بين النهرين! ومن حيث تحضير كتيبته، يبدأ قائد اسود العراق.. إعدادنا، اقل من العادي أو المتعارف عليه في عالم التدريب في كرة القدم، ولكننا في المقابل ورغم الظروف التي لا يمكن إطلاق توصيف دقيق ومحدد عليها، نحمل أحلاما وطموحات غير عادية - استثنائية تماما. وعندما بادرته.. (ولماذا استثنائية طموحاتكم)، يأتي رده واضحا، لأننا (صرنا) نلعب كرة القدم ليس كما يلعبها الآخرون، بل نلعبها من اجل كل شعبنا، ومن مرسى هذه الكلمة السحرية ـ شعبنا - غرق أكرم سلمان وأخذني معه إلى شواطئ المشاعر الجياشة والحب الجارف لوطن كبير اسمه العراق ما إن يذكر أمام أي من أبنائه المخلصين، حتى يهون كل شيء من اجله ويصبح الصعب سهلا والمستحيل ممكنا.

* هل لديك أسرار معينة في تقديم المنتخب العراقي على مسرح خليجي 18؟!

ـ يبتسم.. نعم لدينا الكثير من الأسرار!

* أهمها؟!

ـ أهمها على الإطلاق، أننا نلعب كرة القدم من اجل كل أبناء الشعب العراقي وهذا هدف سام جدا يتطلب قدرا كبيرا من التضحية والانضباط والتسامي على الجروح والبعد عن المسميات التي غزت قاموس حياتنا كعراقيين مؤخرا.

* وهل ما زالت هناك في العراق، كرة قدم؟!

ـ نعم، لدينا كرة قدم ولكنها من نوع خاص جدا!

* أين الخصوصية؟!

ـ خصوصيتنا.. أننا نمارس كرة القدم في ظل ظروف لا ينطبق عليها أي وصف، قولوا مؤلمة - قاهرة - مدمرة، وصفوها بما تشاؤون فهي أكثر من ذلك بكثير!

6 لاعبين فقط

* وفي ظل الظروف الحالية للعراق، كيف جرت استعداداتكم لخليجي 18؟

ـ بالقياس إلى استعدادات المنتخبات الشقيقة المشاركة في البطولة، فان استعداداتنا اقل من عادية حيث بدأنا منذ السادس من الشهر الحالي بفترة تجمع بسيطة في اربيل شمالي العراق بحضور اقل من 6 لاعبين قبل أن نشد الرحال إلى الإمارات للدخول في معسكر هو الأهم في برنامجنا التحضيري وعلى أمل خوض مباراتين وديتين.

* ولكن هذا لا يكفي للمشاركة في بطولة مهمة ككأس الخليج العربي!

ـ نعرف أن إعدادنا غير كاف بالقياسات المعروفة، ولكن طموحاتنا استثنائية في خليجي 18.

* الأمر لا يستقيم، طموحات استثنائية مقابل إعداد عادي؟!

ـ ظاهريا يبدو الأمر لا يستقيم، ولكن علينا أن نعمل في ظل ظروفنا المعروفة ونؤسس لأكبر حالة انسجام بين لاعبينا خلال معسكرنا في الإمارات.

* وهل يشكل تأخر التحاق المحترفين، معوقا آخر في برنامج إعداد المنتخب العراقي؟

ـ أكيد هذه واحدة من المشاكل الكبيرة التي تواجه إعدادنا للبطولة خصوصا وان وصول لاعبينا المحترفين سيتواصل حتى قبل 3 أيام من أولى مبارياتنا في البطولة.

* كم من المباريات التجريبية، يلزم المنتخب العراقي لمواجهة منافسيه في مجموعته في خليجي 18؟

ـ ليس اقل من 4 مباريات أمام فرق أو منتخبات قوية.

الأفضل بشرط

* هل المجموعة الحالية من لاعبي منتخب العراق، هم الأفضل على مستوى العراق؟

ـ لو توفرت ظروف إعداد كافية للكوكبة الحالية من نجوم المنتخب العراقي، فان التأهل إلى نهائيات كأس العالم 2010 في جنوب إفريقيا، يصبح أمرا ممكنا جدا ناهيك عن التألق الكبير وتحقيق النتائج الباهرة في البطولة الآسيوية المقبلة وخليجي 18.

* وفي ظل ظروف إعداد المنتخب العراقي، ما هو مستوى طموحاتكم في خليجي 18؟

ـ رغم كل شيء، فان لدينا طموحات كبيرة في البطولة الخليجية.

* إلى أي حد؟

ـ رسالتي للجميع.. هي أن لا ينسوا المنتخب العراقي في بورصة التوقعات للفوز باللقب.

* ألهذا الحد أنت واثق من قدرة المنتخب العراقي على تحقيق حلم الفوز باللقب رغم إعداده البسيط؟!

ـ جئنا للمنافسة على اللقب، أما ظروفنا، فقد اعتدنا عليها في بطولات سابقة وهي متشابهة إلى حد كبير، وفي كل مرة وعلى مستوى كل منتخباتنا الوطنية، اثبت نجوم الكرة العراقية علو كعبهم وبراعتهم وقدرتهم على تحدي الصعاب وتجاوزها والخروج من عنق زجاجات الظروف المؤلمة.

الروح العراقية

* ظاهريا، أين تكمن قوة المنتخب العراقي؟

ـ مصادر قوتنا كثيرة، ولكن أهمها على الإطلاق، تلك التي تتمثل في الروح العراقية القتالية والتفاني من اجل هدف أسمى هو إسعاد كل أبناء الشعب العراقي وهذا بحد ذاته يشكل دافعا كبيرا جدا.

* وماذا بعد؟

ـ أيضاً، هناك خبرة لاعبينا وخبرة الجهاز الفني ومدى قدرته على التوظيف السليم لقدرات اللاعبين ومستوى قراءته للمنافس ومجريات المباراة معه وحجم التعاون بين اللاعبين والجهاز الفني ومدى تقبل اللاعبين وتنفيذهم لما يطلبه المدرب.

* الملاحظ على المنتخب العراقي، انه لا يبدأ مبارياته بقوة، هل وضعتم معالجة محددة لهذه الحالة؟

ـ هذا ناتج عن ضعف برامج الإعداد، وإجمالا مستوى أداء لاعبينا يتطور بشكل تصاعدي سواء في المباراة نفسها حيث نلعب بصورة أفضل في الشوط الثاني أو في مشوارنا في البطولة نفسها نتيجة للانسجام ومعالجة الأخطاء.

قراءة خاصة

* بقدر تعلق الأمر بكم كمدرب، كيف تقرؤون أحداث أي مباراة يكون منتخب العراق احد طرفيها؟

ـ كمدرب، وعندما يكون منتخب العراق احد طرفيها، فاني دائما أرى المباراة من 3 أشواط وليست من شوطين فقط!

* كيف هذا؟!

ـ في المباريات المهمة كما هو الحال في كأس الخليج العربي، اقسم المباراة إلى 3 أشواط، الأول لمعرفة الخصم والثاني لكيفية السيطرة عليه داخل الملعب والثالث لمدى قدرتي على استخلاص النتيجة من الشوطين وتوظيفها بشكل فاعل لتحقيق النتيجة النهائية للمباراة.

* وبهذا، ستواجه منافسيك في خليجي 18؟!

ـ يصمت قليلا، بهذا وغيره!

فرسان المربع

* كيف تنظر إلى مباراتكم الأولى في البطولة أمام منتخب قطر بطل النسخة السابقة؟

ـ الفوز على قطر يمثل بوابتنا الحقيقية للمرور إلى نهائيات البطولة.

* ماذا تقول في من يستبعد المنتخب العراقي من ترشيحات الفوز بلقب خليجي 18؟

ـ علميا ووفق نظريات التدريب وبالقياس إلى برنامج الإعداد، فان منتخب العراق خارج ترشيحات الفوز بلقب البطولة، ولكن بالروح العراقية سنجبر الكثيرين على إعادة النظر في ترشيحاتهم!

* من ترشح للفوز بلقب خليجي 18؟

ـ ما استطيع قوله الآن، هو أن المربع الذهبي سيضم السعودية وقطر والإمارات والعراق.

أسئلة بالصيني!

يتذكر أكرم احمد واقعة طريفة خلال المؤتمر الصحافي المشترك لمدربي منتخبي العراق والصين في بكين ضمن إياب التصفيات الآسيوية، قائلا: خلال المؤتمر الصحافي كان الصينيون متشوقين لمعرفة أسرار فوزنا عليهم في الذهاب بملعب العين الإماراتي وتعادلنا معهم في الإياب على ملعبهم في بكين رغم ظروفنا القاسية، وفي حينها لم أجد غير الإجابة ساخرا (ادخلوا حروبا عديدة حتى تعرفوا كيفية اللعب بروح عالية)!!

هذه قصتي مع التهديدات!

رغم انه لم يفضل الخوض في تفاصيل الموضوع، إلا أن أكرم احمد سلمان مر بإشارات خاطفة لكنها واضحة على تفاصيل حكايته مع التهديدات التي تلقاها مؤخرا، تلك التهديدات التي خيرته بين الموت في حالة استمراره مدربا لمنتخب العراق وبين الحياة فيما إذا تخلى عن المهمة.

ويقول سلمان: حقا كانت حالة مزعجة ومؤلمة أن يتم وضعك في أجواء التهديد أنت وعائلتك ليس لجرم ارتكبته ولكن لأنك تؤدي واجبا وطنيا.

ويوضح أكثر: في فترة ما تلقيت التهديد بالموت في حالة استمراري بتدريب المنتخب العراقي من أطراف لا استطيع الجزم من هي ومن تمثل ولماذا أنا بالتحديد وما هو هدفها ومن حركها، المهم أني تلقيت تهديدا بالموت أجبرني على شد الرحال مع عائلتي إلى شمال العراق حيث اربيل.

وعن وسائل التهديد، يوضح: التهديدات وصلتني عبر الهاتف ولكنها لم تهزني أبدا أو تحل دون التفاني من اجل خدمة العراق الغالي.

وعد فرحان

عن سبب استدعائه مجددا للمهاجم المعروف رزاق فرحان، أوضح أكرم احمد انه وبعد التصفيات الآسيوية وبناء على اتصال من اللاعب نفسه، أعطى وعدا باستدعائه إلى تشكيلة المنتخب العراقي خلال كأس الخليج العربي في الإمارات لتكون البطولة خاتمة مشوار اللاعب رزاق على الصعيد الدولي، مبررا ذلك بان النجم رزاق فرحان يستحق هذا الوعد لخدماته الكبيرة مع الكرة العراقية.

وعن إمكانية زجه في التشكيلة الأساسية، اكتفى سلمان بالقول إن رزاق لاعب معطاء وان ظروف المباريات ومسيرة المنتخب هما اللذان يحددان إمكانية الاستفادة منه.

فاكهة أمس ومارد اليوم !

قلت لسلمان، الكثيرون يصفون المنتخب العراقي سابقا، بأنه فاكهة كأس الخليج العربي، بماذا تصفه اليوم وأنت مدربه الأول؟

فجاء رد سلمان: إذا كنا في السابق، فاكهة كأس الخليج العربي، فنحن اليوم المارد الذي لا يعرف متى يخرج من قمقمه، ليشكل بذلك لغزا محيرا للجميع!

ويضيف: من يرد أكثر، فعليه النظر إلى نتائج منتخباتنا الوطنية في مختلف البطولات الآسيوية في السنوات الأخيرة حيث هناك تألق لافت ونتائج رائعة رغم الظروف المؤلمة.

هكذا.. أشحن اللاعبين!

قلت لسلمان كيف تستثمر الأوضاع الحالية في العراق وتحولها إلى (شاحن) مؤثر للاعبي العراق خلال المباريات؟

فقال: في كل مباراة، لدي أسلوب خاص في تحضير وتهيئة اللاعبين وبطرق قد لا يشعر بها اللاعبون أنفسهم حيث أميل إلى الهدوء والتروي الشديدين في استثمار حال بلادنا وشحن اللاعبين بطريقة خاصة مراعيا في ذلك مبدأ (ما زاد عن حده انقلب إلى ضده). ويضيف سلمان: قد تكون بدايتي في هذا الموضوع من الملعب أثناء المباراة أو خلال التدريبات أو بشكل آخر، فالمهم عندي هو أن تكون جاهزية اللاعب تامة من الناحية النفسية.

مواجهة خاركوف الأوكراني اليوم

في الخامسة من مساء اليوم وعلى ملعب نادي الشعب بالشارقة، يخوض المنتخب العراقي الأول لكرة القدم أولى مباراتيه التجريبيتين في معسكره بالدولة استعدادا لخليجي 18، وذلك بمواجهة فريق خاركوف الأوكراني. وتمثل المباراة فرصة كبيرة أمام الجهاز الفني لاسود الرافدين بقيادة المدرب أكرم احمد سلمان، لإيجاد حالة من التجانس بين لاعبيه في ظل بساطة برنامج إعدادهم للبطولة. وبعد فشل جهود ترتيب لقاء ودي مع أي من فريقي شتوتجارت وهامبورغ الألمانيين، فان هناك جهودا مخلصة لترتيب لقاء ودي ثان يقام الأحد المقبل في الإمارة الباسمة مع احد الفرق الزائرة.

رسالة تاريخية

يرى أكرم احمد سلمان مدرب منتخب العراق، انه ولاعبيه يحملون ما وصفه بالرسالة التاريخية حيث يتحملون مسؤولية إسعاد الشعب العراقي عبر السعي وبقوة لتحقيق نتيجة ايجابية في خليجي 18 لنشر الفرحة في ربوع بلاد ما بين النهرين.

حوار: علي شدهان