افتتح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مساء أمس في متحف الشارقة للفنون معرض الفنانة الألمانية لورا بيرت الذي تنظمه إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام بالشارقة تحت عنوان:
«ربع قرن من العطاء» بحضور ولي العهد سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي والشيخ عبدالله بن سالم القاسمي رئيس الديوان الأميري، والشيخ عصام صقر القاسمي رئيس مكتب سمو الحاكم، والشيخ خالد بن عبدالله القاسمي رئيس دائرة الموانئ والجمارك، والشيخ خالد بن صقر القاسمي الأمين العام لمجلس التخطيط، والقنصل الألماني ولتر لوكس، ونخبة من الفنانين التشكيليين والمثقفين والإعلاميين.
يضم المعرض الذي يستمر حتى 14 فبراير القادم أكثر من 333 عملا فنيا في مختلف التقنيات والمواضيع حيث تعرض هذه الأعمال في 36 غرفة عرض تبلغ مساحتها حوالي ألفي متر مربع. ويأتي هذا المعرض بدعوة من دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة للفنانة الألمانية لزيارة الإمارات وإقامة معرض فني لها بمناسبة ميلادها السبعين تقدم من خلاله أعمالها الفنية.
وقد أقامت الفنانة لورا بيرت أكثر من 200 معرض خلال العقود الثلاثة الماضية في أكثر من مئة مدينة في 25 دولة مختلفة في كافة القارات. كما ان أعمالها مقتناة لدى 40 متحفا حيث تركز في أعمالها على الإنسان بشكل عام بوجوده التاريخي والثقافي والفسيولوجي والنفسي والعقلي.
وقد طبعت أعمالها في أكثر من 30 كتاباً وكتالوجاً. من المعروف لدى لورا بيرت اشتغالها على الورق. وغالباً ما تجلب هذا الورق من أقصى شرق آسيا، والذي يتحول عن طريق الرسم أو الكولاج إلى إنشاءات أو غرف بصرية مدركة حسياً.
وغالباً ما تتضمن أعمالها العناصر الرئيسية التالية، مخططات أرضية مخيلة أو حقيقة (مثل كنائس فينيسيا، والمساجد الشرقية)، أو مجرد أشكال هندسية بسيطة مثل الدائرة، المربع، المثلث، المثمن، المخمس، أو علامات وردية الشكل، الخ، بالإضافة إلى الأرقام والحروف، وحتى بعض الاقتباسات من شعراء وفلاسفة.
أعمالها لا توضح شيئاً. ولا تسعى للترميز. ولا تتضمن أعمالها مغزى من الناحية التفسيرية، وإن كانت تدل على شيء: فإنها تجسد حنيننا وشوقنا للجمال والكمال.
وقد قال عنها كوفي عنان تحاول لورا بيرت من خلال أعمالها أن تقترب من التراكيب الغريبة والمختلفة لأساليب حياة أخرى حتى تصبح مألوفة، بشكل لا يتم فيه التخلي عن الهوية الذاتية. «من الممكن أن نحب ونفتخر بالذات، من دون أن نكره الآخر».
واضح هشام المضلوم مدير إدارة الفنون بدائرة الثقافة والإعلام في الشارقة أن هذه الأعمال الفنية ـ عالية المستوى ـ التي نقدمها للفنانة الألمانية (لورا بيرت) في كامل الطابق الأول من متحف الشارقة للفنون، تعبر بمضمونها وعددها عن عمق العلاقة بين الشارقة وهذه الفنانة، التي أرادت أن تحتفل بمرور خمسة وعشرين سنة على عطائها الإبداعي في الشارقة.
ولعل تقديم ثلاثمئة وثلاثة وثلاثين عملاً في استعادة شاملة لتجربتها يؤكد على عمق التفاهم، ومستوى الحوار، وطيب العلاقة بين الفنانة (لورا بيرت) وابنتها الدكتورة الناقدة المرموقة (دوروتيا فان ديركويلين) وبين الشارقة باعتبارها المناخ الملائم، والأفق المشترك، لعرض الأفكار الإبداعية.
التي تتضمن في بنيتها الكثير من الإشارات والرموز التي دخلت تفاصيل أعمالها، جراء هذه العلاقة المستمرة منذ أن قدمت الفنانة إلى إحدى دورات بينالي الشارقة، عبوراً بمعرضها الفردي الذي كانت قد أقامته في متحف الشارقة للفنون.
وأضافت الدائرة: لقد استطعنا أن ننجز معها وبرعاية مباركة من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة، الكثير من المعارض في ألمانيا، قدمنا من خلالها الفنون المحلية والعربية للمتلقي الألماني.
وهو حوار حي ومتناغم ومسؤول، وجهد متواصل يدفع لإنجاز أهدافنا الحقيقية. سيمر هذا المعرض من الشارقة إلى مجموعة من المتاحف العالمية، في إطار عروض منظمة وبانورامية ليستعرض تجربة (لورا بيرت) التي حاكتها برصانة وهدوء، دفعاً للإبداع إلى أقصاه، وتجذيراً لقوة الثقافة في الحوار الإنساني. إذ يحقق الفن التجانس والشفافية والتفاهم في الحوار الحضاري بين الشعوب كونه الجسر الذي تعبره الأطراف إلى بعضها البعض في المجتمعات المتمدنة.
من جهته يرى الناقد طلال المعلا أن روح لورا بيرت لا تعرف الاستقرار في موقع، فهي دائمة المغامرة في تفاصيل حضارية معمارية تستمد من طاقتها الإشارات والرموز، وهي في هذا التنقل تسعى للبحث في مختلف أزمنة وأمكنة قارات العالم، منذ تخرجها من أكاديمية برلين للفنون الجميلة ودار مشتاد للفنون في العام 1957 مروراً بتنقلها في بلدها ألمانيا وإيطاليا التي درست فيها مباني صقيلة المقدسة العام 1955 وباريس والقاهرة والشرق الأقصى والشارقة وسواها من المواقع، التي شكلت منها مشروعها البصري الكولاجي، بحثاً عن حلول فلسفية ومفاهيم بصرية متشابكة مع أسئلة الإنسان الوجودية.
كان التوازن، وما زال في أعمال لورا المنطقة الأكثر إثارة للتأمل، والتوغل في المقاييس التي تختارها لإعادة تلصيق العالم بصرياً، وهي إذ تعتبر نفسها في موقع المركز بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، فإنها عبر هذا التوازن تشير إلى المصادر الأولى التي تعينها على صياغة الأفكار، وإعادة إنتاجها، لاكتشاف أو مقاربة المطلق الذي تطلقه عبر بوابتها السحرية، المنفتحة على مختلف الرموز، وأقصد بالسحرية انقلاب الشعري على نفسه لإعادة اكتشاف اللغة البصرية المفعمة بإيقاع مغاير لإيقاع الحياة المادية.
ويقول المعلا: لقد اعتمدت في أغلب تجربتها على الورق، ولنوعية الورق دلالة جغرافية وحضارية أنشأت عليها في مرحلة من مراحلها عوالم تجريدية، وفي مراحل أخرى عمارة للحلم الذي يأتي دون لون، تغلفه موسيقى الصمت، وأحلام الفنانة ليست وقائع، فهي تستقر في توليفات شكلانية حيوية، ليس باعتبارها نظاماً، بل باعتبارها تنكر الفضاء الذي يحتويها، وهو ما يتجلى في إنشاءاتها المتغيرة في توضعها وبنائها التشكيلية، وهو ما أشرت إليه بالإنكار.
والذي يحقق الوجود المتطور باستمرار، الذي يبقى في انتمائه وفياً لمبدعه ومحيطه العام. ولا أريد هنا أن أفصل بين شيئية الورق وإنسانية المتحقق، وهو تأرجح يشبه الصلة بين الوجود وشبحية هذا الوجود. ويمكن الإمعان في هذا الشأن باستخدامها للحروف والأرقام سواء باللاتينية أو العربية في إطار المعادلة الأزلية (المضمون الزمني الذي يؤلفه الشكل المكاني).
ويؤكد إن ولع لورا بالمساقط الهندسية المعمارية، أو ما يوحي بها، أو يدل عليها، ليست غايته التجسيم أو التوقع، بقدر ما تسعى للإحاطة بالضوء الذي تطرح من خلاله إمكانية ترسيم الأبيض، وتفصيله بفعل الظلال الرهيفة المتولدة عن الثنيات أو التقطيعات الدقيقة للأوراق المحشوة، حيث بتعاقب الأجزاء المضاءة والظليلة تستقر العين على تناسق الأجزاء في الكل، والكل في الأجزاء، وهو ما يقود إلى الإمكانيات المتعددة التي تفسحها الفنانة للعين في موقع وقوفها، للتعرف على حالات متنوعة من التلقي لمركز التركيب أو الترسيم.
ويمكننا كشف التجانس الدلالي للرموز الملحقة بالمخططات سواء أكانت مربعات أو مثلثات أو أقواس أو سواها، باعتبارها مواقع للعبور إلى تناص مقصود مع الأشكال الحسية، المنتمية إلى مفاهيم سابقة على حضورها، أي حلول ذوات في ذات.
واختزالها في كيان مستقل يقدم أسراره وصلابته بعيداً عن المعارف المسبقة وتقاطعات العصور.. إنه استنطاق لشيئية المادة وتجاوز لذاكرتها، أو ما يمكن أن تستنبطه من حقائق لعرض عالم جديد يعتمد على بلاغة حرفية وعلمية، تجعل من المرئي شمولياً ومن الحقيقة ذاتاً تتركز في الأثر الفني، حيث الحقيقة هي ظهور كون الكائن بحسب مارتن هايدجر، الذي يدعو إلى قراءة هذه الكينونة، المحل الذي ينفتح فيه العالم.. أي الإنسان.
