تحت عنوان « نظرة إلى الماضي » تم عقد مؤتمر صحفي للإعلان عن صدور المجلد الأول من كتاب « آثار جبل البحيص في الشارقة ـ الآثار الجنائزية والبقايا البشرية » حضره الدكتور هانس بيتر ايربمان رئيس البعثة الألمانية، والدكتورة ماركريت ايربمان مساعدة الرئيس.
والدكتور صباح جاسم رئيس البعثة الأثرية المحلية ، والكتاب المكون من أربعة مجلدات ، محصلة جهد مشترك بين إدارة الآثار في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة وجامعة توبنجن الألمانية، استمر من عام 1996 حتى 2005، وهو بمثابة نظرة عميقة للماضي، لكنها تثير أسئلة مهمة في الحاضر أيضاً.. فبغض النظر عن عدم حضور إدارة الآثار لهذا المؤتمر أصلا، هل شارك في هذا البحث دارسون أو منقبون أو مختصون إماراتيون، وإن كان الجواب لا، فلماذا؟
و « لماذا » هذه لا تتوقف عند ذلك، بل تتوالد لتصل إلى المدارس والجامعات، وتجعلنا نبحث عن أسباب عدم وجود اختصاصات تتعلق بالآثار حتى الآن؟
إن هذا المجلد الذي يحتوي على تفاصيل تخص المدافن الأثرية، وطرق الدفن وطرز المقابر، ومخلفات عظمية تعكس طبيعة الحياة الاجتماعية اليومية، ونشاطات الإنسان وطقوسه وعقائده الدينية وأساليب عيشه وكفاحه في السيطرة على البيئة القاسية. ..
هو بمثابة امتداد حقيقي للتاريخ وعلى الأجيال القادمة أن تهتم بذلك تأصيلا للهوية، وتجذيراً للانتماء، فالبعثة التي أخرجت ما يقارب ألف هيكل عظمي، تقول إنه ما زال هناك المزيد مدفوناً تحت الأرض لأنها ارتأت عدم الكشف عن كل شيء، وترك الباقي للأجيال القادمة، حيث سيتطور العلم وأدوات البحث.. ولكن ماذا عن تطور الإنسان ؟ وماذا عن إنسان الإمارات في الحاضر انطلاقاً من دراسة انثروبولوجية يمكن أن تتكئ بقوة على تلك السلسلة القيمة التي تحتوي على معلومات شاملة عن حياة الناس في هذه المنطقة.
ما يثير الدهشة هو أنه قبل سبعة آلاف سنة كان في جبل البحيص فقط آلاف السكان، فماذا عن عدد سكان الإمارات اليوم ؟ وماذا عن حميمية العلاقات الاجتماعية في الوقت الذي تصف فيه البعثة روعة العلاقات في تلك الحقبة من خلال الهياكل العظمية التي توضح بعض وضعياتها علاقة المرأة الحميمية بالرجل ومعاونتها له في العديد من مناشط الحياة اليومية..
وعلى الصعيد الاقتصادي، الكثير من الدلائل تشير إلى ان سكان هذا الجيل كانوا يدجنون الطيور ويروضون الحيوانات، وهي جوانب متقدمة في تلك الحقبة من التاريخ، إلا أن تأكيد البعثة بعدم وجود فخاريات في تلك المدافن، ووجودها في كل المناطق الأخرى في تلك الحقبة، يجعلنا نتساءل عن إصرارهم اللامنطقي على استخدام أحجار الصوان فقط.
ويجعلنا نخمن بانقطاع سكان هذه المنطقة عن العالم الخارجي.... مع أن الهياكل التي عثر عليها مزودة بأدوات زينة شخصية وقلائد وأساور تتكون من عشرات وآلاف القطع الدقيقة من الخرز والصدف واللؤلؤ، ومازال الكثير منها هناك. وهذه ليست دعوة للصوص، بل لأهل البحث العلمي والتاريخي.