في رصده الهادئ لتطور فكرة الموت في قصص نجيب محفوظ يخرج الناقد المصري حسين عيد بنتيجة لافتة وهي حضور الموت في كثير من أعمال محفوظ وبخاصة تأملاته «أحلام فترة النقاهة» التي ظل حريصا على مواصلة كتابتها حتى أيامه الأخيرة. ميزة مثل هذه الدراسة أنها تبحث عن وجه آخر ينطوي عليه أدب محفوظ الذي يبدو في ظاهره أكثر احتفاء بالحياة

وإقبالا عليها متمثلا في نماذج منها أحمد عبد الجواد بطل ثلاثية «بين القصرين» وأبطال رواية «ثرثرة فوق النيل» الذين يواصلون سهرتهم وعربدتهم حتى بعد أن يقتلوا امرأة في الطريق بسيارتهم وهم سكارى. وكانت لجنة نوبل أشادت في قرار منح الجائزة لمحفوظ عام 1988 بأربعة أعمال منها الثلاثية و«ثرثرة فوق النيل» وقصص «دنيا الله»

وتتصدرها قصة حملت المجموعة عنوانها وفيها يهرب موظف صغير برواتب زملائه مع امرأة يحبها لينتزع من الدنيا سعادة مسروقة تعوضه عن فقره وحرمانه.لكن عيد يقول في كتابه «نجيب محفوظ.. رحلة الموت في أدبه» انه توقف طويلا أمام قصص «دنيا الله» التي صدرت عام 1962 واكتشف أن خمسا منها «خاضت تجربة الموت» منوها إلى أن قصص محفوظ التي صدرت في 15 مجموعة قصصية لم تأخذ حقها من الدراسة نظرا لاهتمام النقاد بانجازه الروائي الغزير والجاذب للأضواء.

وأضاف أن رحلة الموت شغلت 58 حلما من «أحلام فترة النقاهة» التي صدرت في كتاب عام 2005 متضمنة 146 حلما أي أن الموت شغل نحو 40 بالمئة من كتابات محفوظ في السنوات العشر الأخيرة بعد نجاته من محاولة اغتيال في أكتوبر 1994.

وكان الكتاب صدر قبل سنوات متوقفا أمام مجموعات قصصية قديمة لمحفوظ منها «همس الجنون» و«تحت المظلة» و«دنيا الله» و«الحب فوق هضبة الهرم» و«خمارة القط الأسود».وطرحت «الدار المصرية اللبنانية» بالقاهرة الطبعة الثانية «المزيدة» للكتاب منذ أيام ليكون الكتاب الرابع في سلسلة كتب جديدة تلقي أضواء على عالم محفوظ الذي ولد يوم 11 ديسمبر 1911 وتوفي في نهاية أغسطس 2006 ولا يزال العربي الوحيد الذي نال جائزة نوبل في الآداب.

ونوه الناشر في بيان إلى أنه صاحب حق نشر مقالات محفوظ تحت عنوان «حوليات» التي صدرت منها إلى الآن تسعة كتب منها «حول الدين والديمقراطية» و«حول العرب والعروبة» و«حول الحرية والتقدم» و«حول الدين والتطرف» و«حول الأدب والفلسفة».

ويقع كتاب حسين عيد في 318 صفحة متوسطة القطع مقسمة إلى أربعة أبواب ومن بين فصولها «التعرف على الموت» في قصص محفوظ و«محاولة حل اللغز» و«تجسيد رسول الموت» و«اقتحام العالم الآخر» و«التقبل الكامل».

وتحت عنوان «الموت بين الواقع والإبداع» قال ان محفوظ تعرف على الموت للمرة الأولى وهو طفل في السادسة حين جاء ابن أخت له في سن الرابعة للإقامة في بيتهم لكنه مات اثر مرض قصير فكان ذلك أول «مواجهة حادة غير منطقية أو متكافئة» مع موت استعصى عليه فهمه فانخرط في البكاء.

أما لقاء محفوظ الثاني مع الموت فكان عام 1937 حين مات أبوه لكن تلك التجربة جاءت بعد أن نضج فكريا حيث تخرج في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة وكان يستعد لكتابة رسالة الماجستير حول التصوف في الفلسفة وهو ما ساعده على تجاوز تجربة موت الأب مرجحا أن يكون ذلك حافزا لمحفوظ لكتابة «أول قصة له عن الموت» عام 1945 بعد ثماني سنوات من موت أبيه تحت عنوان «صوت من العالم الآخر».

وخصص عيد الباب الرابع من كتابه لأصداء رحلة الموت في «أحلام فترة النقاهة». وتوقف أمام الحلم رقم 100 الذي يميل إلى اعتبار «الحياة قضية لا بد من الحكم فيها بالإعدام سواء شاء الفرد أم لم يشأ» وتدور الاحداث في قاعة محكمة حيث يوجد قاض وزعماء في قفص الاتهام وشاهد جاء ليعرف من المسؤول عما جرى للبلاد.

لكن حديثا دار بين القاضي والزعماء بلغة لا يفهمها الشاهد الذي فوجئ بالقاضي يوجه إليه الاتهام ويحكم عليه بالإعدام «فصرخ بأنه خارج القضية لكن لم يعبأ بصراخه أحد. لان حكم الموت يأتي في موعد غير محدد ولا يرتبط بأي شكل برغبة الإنسان».

وفسر غلبة الموت في الاعمال الأخيرة لمحفوظ بأنه مع تقدم العمر وموت كثير من الأصدقاء وصعوبة الحركة بعد حادث الاعتداء عليه عام 1994 لم يعد أمامه عزاء الا في «أحلام فترة النقاهة» التي كان يلخص فيها «همومه وأشجانه فكان منطقيا أيضا أن تتجلى أصداء رحلة الموت عبرها».

(رويترز)