الذاكرة الكولاجية للفن المعاصر، عنوان الندوة الدولية، التي أقيمت بمتحف الفن المصري الحديث بدار الأوبرا على هامش فعاليات الدورة العاشرة لبينالي القاهرة الدولي والذي شاركت فيه 58 دولة من جميع أنحاء العالم. شارك في الندوة نخبة من الفنانين والمفكرين والنقاد المهتمين بقضايا الإنسان ونتاجه وإبداعاته في الثقافات المختلفة، والتي تبدو في بعض الأحيان شديدة التباين، لدرجة تصل الى تبادل تجارب الشعوب.

وشهدت الفعاليات حضور 17 دولة عربية في سابقة متميزة نحو توحيد الفن العربي على أطر متأصلة. افتتح الجلسة الأولى د.مصطفي الرزاز رئيس الندوة الذي أشار الى وجود روح جديدة في الغرب بدأت بعد الثورة الفرنسية، التي قامت على شعار الحرية والإخاء والمساواة، وكان ذلك بمثابة البوابة السحرية لانفتاح الغرب على الشرق، وتنحية النظرة العنصرية.

ومن ثم استيعاب شفرات فنون اليابان والعرب والأفارقة، كمداخل للتمرد على الأكاديمية المنغلقة على الجذور الإغريقية والنهضة، ويعد ذلك أول تفكير كولاجي في الفن الغربي، الذي سرعان ما تحول الى تلصيقي فعلي عند المستقبلين، كنوع من تعويض تعرية الطبيعة من خصائصها المرئية بالتفكيك، والتلخيص، والإزاحة لتقديم الذهنية على الحسبة.

وقد مهد وعي المستقبلين بالتجزيئية والحركية الى اكتشاف فن الصورة السينمائية، التي تبنت لغة بصرية جديدة، قوامها الوهم المصنوع بإيقاع مغاير للإيقاع المادي للحياة، فأصبح المونتاج، وهو نوع من الفكر الكولاجي مفتاحاً لهذه اللغة السينمائية الجديدة على نحو الأعمال العبقرية لـ «سيرجي أزنشتين».

ومن ثم كان انفتاح الغرب على ثقافة الشرق تدشيناً لفكر جديد عابر للقارات والأساليب والتقنيات. وقد أصبحت ثقافة (الكولاج) لغة إدراك ومفهوم بنى عليها الفن المعاصر رؤية كاليدوسكوبية جديدة، ثم أصبح الإعلام المتقدم خطوة أخرى لثقافة كولاجية إيهامية تخطت الحدود والحواجز، بما فيها حواجز المعقول، فاقتحمت الذاكرة الكولاجية الشفرة البصرية للفنان المعاصر، لتصبح الخيط الذي تلتئم من حوله تجليات البصري والمفاهيمي، حتي تكون بديلا عن الواقع الحسي والملموس.

وقد قدمت إيزابيل تاجيدا رئيس قسم الفنون البصرية بمركز مايوركا الثقافي تجارب أربع فنانات من أميركا اللاتينية، حيث قدمت كل منهن وجهة نظرها الشخصية في زمانها، وإشكالية مفهوم التغير الثقافي، ومحاولة البحث عن الهوية التي تحطمت، بسبب الاستعمار الثقافي للغرب.

وذلك في إطار السياق الثقافي للطبقة البرجوازية المترفة اللاتي انتمين إليها، وتأثير الفن الشعبي الأصلي للبرازيل، الذي ينتمي الى البيئة الزراعية في طرح وجهة نظرهن. وهو ما أعطى مذاقاً فنياً متميزاً يختلف عن الفن الأوروبي والأميركي، حيث ظهرت على أيديهن نظرية جديدة من خلال أعمالهن الفنية الإبداعية اللاتي استخدمن فيها فن «الكولاج».

وحول الانفتاح الثقافي على المداخل الآسيوية والأفريقية واللاتينية الأميركية في تيار الفن الغربي الحديث قام «كارمين سينسكانكو» رئيس جمعية قاعات العرض الفني بروما بعرض أعمال مجموعة من الفنانين، الذين قاموا باستخدام «الكولاج»، كوسيط في وسائط التعبير، سواء عملياً أو ذهنياً أو تفاعلياً، وإن هذا الفن يمثل طفرة ثورية تثير الباعث الابتكاري في الفنان الذي يقدم من خلاله مجموعة من اللحظات التاريخية، أو يقوم بالتعبير عن فكرة معينة تخالجه.

ويعتبر كارميني أن كلا منا يمثل صورة كولاجية تعبر عن مجموعة في المشاعر والخبرات، وقد اختار ثلاثة أعمال لفنانين إيطاليين كنموذج لهذا الاتجاه، وتأثير الشرق علي أعمالهم الإبداعية، الأول لـ «جيرو بونتي» في النصف الثاني من الستينيات، الذي أقام أول معرض فني له عام 1960 وتم تصنيفه تحت اسم «فنون الفقراء».

حيث يعد فنه مواز للفنون الميتافيزيقية، وقام في أعماله بالتعبير عن الخبرات الإنسانية المختلفة، والنابعة من اهتمامه بالثقافة والفلسفة الشرقية، وكان يسعى منذ عام 1966 وحتى عام 1976 الى إخراج لغة جديدة تعتمد على العلاقات والفلسفة الحسابية في محاولة لبناء هيكل تركيبي استخدم فيه أنابيب الاختبار، ثم قام باستخدام الجدار، أو البوابة الزجاجية كرمز للشفافية التي تفصل ما بين عالم وعالم آخر.

وقد بدأ بعدها منذ عام 1996 بفهم التناغم الموجود في الطبيعة، والموجود بين الشخصيات المادية والروحية الفنية، التي كانت تمتزج داخله كفنان مبدع، وقد أنتج في تلك الفترة مجموعة من اللوحات الفنية عبارة عن سجاجيد يبدو فيها اهتمامه الروحي بالثقافة الشرقية، التي أشار في إحداها بمشاركة مجموعة من الفنانين، لم يشر الى أسماء أياً منهم تعبيرا منه عن انعكاس الآخر في أعماله، إن الحياة والحدود الجغرافية ما هي إلا سجادة كبيرة تتشابك فيها عناصر مختلفة من البشر والثقافات المغايرة لثقافته.

والفنان الثاني هو «بلوتشيكوبيلي»: الذي أنتج مجموعة من الرسوم والمنحوتات التي تعكس الاعتقادات الدينية المختلفة السائدة في العالم، ورفضه الغرور الغربي والتمسك بالعرقية، ويعد هذا الفنان من الطليعة التي ترجع الى الأنجلو سكسون.

حيث بدأ يعبر في أعماله عن الحركة الميتافيزيقية، والتشكيك في القوى الرأسمالية، التي تسعى الى التحكم في العالم، والتي لا تستند الى القيم الاقتصادية والثقافية والأخلاقية، والفنان الثالث «نافي جار»، الذي اتجه في الفترة الأخيرة الى التمثيل الجسماني، واستخدام السيراميك، الذي يتم تصميمه في تايلاند، التي عاش فيها لفترة وتأثر بثقافتها حتى شعر بإمكانية تصميم تلك البلاطات، التي كانت تصنع في إيطاليا.

وتجسد احدى لوحاته المعروضة في البينالي، حفلة رقص للبالية، لتعكس مدى تحضر هذا الفنان في الفكر من خلال التوازن ما بين الأجسام والألوان، وكذا تأثير البيئة الريفية الزراعية في البرازيل عليه، ومحاولته خلق عالم يذخر بالرمزية يحلم بأن يعيش فيه هناك، وذلك باستخدام الكولاج والتجسيدات التي تعبر عن الشخوص الثقافية الموجودة، في مختلف الحضارات، خاصة الحضارة الشرقية.

القاهرة ـ نهال قاسم