في كتابه «الفن التجريدي» يقول «إيم» ان هذا الفن هو فن الجدة والحداثة المطلقة والإبداع المستمر والثورة الدائمة والتمرد المطلق. ويدعو إلى قطع الصلة مع الماضي للوصول إلى مدرسة فنية نقية خالصة، لأن كل فن واقعي لا جديد فيه، وعلى الفن الجديد أن يكتسب أهميته من الانكفاء على ذاته، لهذا يجب الذهاب إلى أبعد مما ذهب إليه الانطباعيون والتكعيبيون، أي إلى قطع الصلة تماماً مع الطبيعة، لذا على العمل الفني التشكيلي أن يهتم فقط بحياته الداخلية.

وأن يقطع الصلة مع الخارج، ليتخلص من دوره كأداة تشير إلى الواقع، فهو غير قادر على تصوير أو تمثيل الأشياء بالعالم الخارجي، ولا حتى تسجيل إحساسنا لهذا العالم. على العمل الفني التشكيلي أن يتوقف تماماً عن الرحلة المكوكية المستمرة بين فكر وإحساس الفنان والمشاهد والطبيعة، هذه الطبيعة التي كانت حجة للرسم عند الانطباعيين والتكعيبيين.

بعد الفن التجريدي، جاء الفن الطليعي، وما بعد الطليعي، والمفاهيمي، والمركب.. وغير ذلك من التسميات والاصطلاحات التي تعتبر امتداداً للفن التجريدي، وتداعياً طبيعياً له.

بعض الفنانين التشكيليين أخذوا برأي «إيم» فقاموا بقطع كل صلة لهم بالواقع أو بالطبيعة، وبعضهم الآخر، رفض بإصرار هذه الدعوة، وظل متمسكاً بالواقعية، وبعضهم الثالث، وقف في البرزخ الفاصل بين التجريد والواقع، أو مزج بينهما بطريقة خاصة، مانحاً المتلقي، فسحة للتفكير والاستنتاج والربط، بين جملة الرموز والإشارات التي بثها بين جنبات عمله الفني.

من هؤلاء النحاتة السورية الشابة «نسرين البخاري» المولودة في دمشق عام 1980 والحاصلة على الإجازة في النحت من كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق عام 2004، وعلى درجة الدبلوم في نفس الاختصاص عام 2006، وكانت في الشهادتين الأولى على زملائها. شاركت في معارض جماعية عدة، وحصلت أعمالها النحتية على جوائز عدة، كما شاركت في ثلاث ورشات عمل مع خبراء سوريين وأوروبيين وأميركيين، وتعد الآن لمتابعة دراستها العالية لفن النحت في كلية الفنون بدمشق.

اشتغلت الفنانة نسرين البخاري على موضوع «الإنسانيات» في مشروع الإجازة، ثم تابعته في مشروع الدبلوم، إنما بطريقة وأسلوب جديدين تماماً على تجربتها، وقد أطلقت على مشروعها الأخير «بلا عنوان» لكي تفسح للمتلقي إمكانية التقاط المعاني التي ضمنتها عملها المركب من مواد وخامات كثيرة منها:

الجبس العادي والجبس الحجري، والشاش، والخشب، والبلاستيك، والساتان، والزجاج، وبعض المواد المصنعة الجاهزة. أما محور فكرة مشروعها الأخير، فتدور حول علاقة السالب والموجب، والأبيض والأسود، والرجل والمرأة. والتي تؤدي إلى نتيجة إيجابية وليست سلبية.

تألف العمل من مجموعة أعمال وعناصر نفذتها بطريقة الصب المباشر على جسم الإنسان الحي، مستخدمة القوالب السلبية والايجابية (النيجاتيف والبوستيف) إضافة إلى شرائط من الستان، وعناصر أخرى كثيرة، قامت بتوزيعها في فضاء واسع، وبإضاءة مدروسة.

هذا العمل جديد على النحت السوري المعاصر، وتجنح فيه الفنانة نحو الفكر العميق، والمقولات التي تتحمل التأويل والاحالات الكثيرة، أما هي فتصر على حصره في فكرة علاقة السالب والموجب والناتج الإيجابي الذي يخرج من هذه العلاقة، وتسوق مثالاً على ذلك، علاقة الرجل بالمرأة التي تتوج بنهر الحياة الدائم التدفق والجريان.

لقد حققت تجربة الفنانة «نسرين البخاري » تطوراً ملحوظاً وسريعاً، رغم عمرها القصير، وهي جادة في بحثها عن المبتكر والجديد، لكن من دون أن تتخلى عن الواقع، أو تقطع الصلة تماماً مع الطبيعة، وعلى الرغم من وعورة وصعوبة اللغة البصرّية التي تشتغل عليها (النحت) تحاول جاهدة عجنها بالفكر، وتضمينها مقولات كبيرة تدور حول الوجود والإنسان والمستقبل.

دمشق ـ محمود شاهين