في إطار الاحتفاءات التي يقيمها المجلس الأعلى للثقافة برواد الأدب والفكر في الثقافة العربية، أقام المجلس بالتعاون مع دار الكتب والوثائق القومية المصرية، ندوة بمناسبة الذكري الخمسين لرحيل د . محمد حسين هيكل، الذي أثرى الثقافة العربية بالعديد من المؤلفات المهمة، التي أسهمت بدورها في تطور الفكر العربي وبالتحديد في التطور، الذي لحق كتابة الرواية العربية، حيث كان له السبق في هذا المجال بتأليفه لرواية «زينب ».
وفي مستهل أعمال الندوة، تحدث د. عماد أبو غازي رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان بالمجلس، قائلاً: تزخر حياتنا الثقافية العربية برموز فكرية لابد من إعادة دراسة تراثهم الذي تفانوا في سطره وتأليفه، ومن هذه الرموز د. محمد حسين هيكل المحامي السياسي الأديب، فإمعان الفكر فيما تركه هذا الرمز الثقافي أمر لابد منه، خاصة في هذه الآونة التي يعاني فيها فكرنا العربي أزمة وجود متمثلة في تلك الهجمات الغربية التي تتهم فكرنا بالتطرف والإرهاب تارة والتقليد والجمود تارة أخري .
وأشار أبو غازي إلي أن المجلس الأعلى في سعيه الدؤوب للاحتفاء بهذه الرموز يسعي إلي إعادة اكتشاف هذه الأمكنة، التي تزخر باللآلئ والدرر المفيدة في مجملها لما نحن فيه من سوء أوضاع واضطراب ثقافي. ومن جانبه أكد د. يونان لبيب رزق عضو لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة:
أن هيكل استطاع بحرفية عالية أن يحل إشكالية فكرية وجد نفسه وبدون قصد منه فيها، وتتمثل هذه الإشكالية في أعمال هيكل في كونه سياسياً، وفي الوقت نفسه أديباً لابد وأن يتحري الصدق والموضوعية فيما يكتب، وهنا يبدو الأمر وكأنه لغز محير فكيف يكون الكاتب حراً وهو أحد الساسة المؤثرين في بلده، وأن هذه الإشكالية تستحق أن نتأمل ونفكر فيها ملياً، حيث ارتبط هيكل برئاسته لمجلس الشيوخ، ثم رئاسة الشعبة المصرية للمؤتمرات البرلمانية، وفي الوقت نفسه أصر علي مواصلة إبداعاته الأدبية، التي لا تزال شامخة في سجل الأعمال الأدبية العربية.
وأضاف د. يونان: استطاع هيكل أن يسهم بنصيب وافر خلال توليه لهذه المناصب السياسية الرفيعة، وهو ما يظهر جلياً بتتبع نشاطه في مؤتمرات الاتحاد البرلماني الدولي السنوية، واجتماعات لجنته التنفيذية، وأنه رغم تخليه عن رئاسة الشعبة المصرية للمؤتمرات البرلمانية بعد إقالته من رئاسة مجلس الشيوخ، إلا أنه ظل مشاركاً في أعمال الاتحاد باعتباره عضواً في لجنته التنفيذية، وظل يشارك في مؤتمرات الاتحاد بصفته الشخصية حتى مؤتمر هلسنكي عام 1955، وهذا كله لم يحد من إبداعه علي الصعيد الأدبي العربي. رائد الرواية .
ومن جانبه أوضح د. محمد صابر عرب رئيس دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة أن هذه الندوة تجعلنا نرصد مجموعة من الأشياء اللافتة للنظر في حياة وسيرة محمد حسين هيكل، حيث عاصر هيكل أحداث جمة في التاريخ العربي والمصري خلال حياته ! حيث عاش حالة الاحتلال ثم الحماية ثم الثورة والاستقلال، وصولاً إلي ثورة 1952، وعاصر أحداث وكتب الكثير من المتغيرات السياسية في عالمنا العربي، وأن د. هيكل لديه قدرة رائعة على الاختيار الناجم علي الحرية.
وعندما ظهرت حركة مصطفي كان لديه ملاحظات كثيرة عليها ،ولكنه كان يحترم آراءها بحرية شديدة، وفي إحداث مصر في العشرينات نجد هيكل في طليعة الذين شكلوا طليعة الأحرار. وحول ملاحظاته المهمة الشخصية هيكل قال: د. جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة: هذا الملتقي فرصة عظيمة للالتقاء بين هيكل عن بُعد وبين محبيه ومثقفيه ودارسيه، حيث أسهم هيكل إسهاماً عظيماً في التطور الثقافي العربي.
وهو أحد رواد الحركة الاستنارية والجيل الليبرالي العظيم، الذي ظهر مع ثورة 1919 شأنه في ذلك شأن عباس العقاد د. طه حسين المهتمين بالعصر الليبرالي، فهيكل في طليعة هذا العصر، ولدي ملاحظاتي على أبناء هذا الجيل وأبناء الليبرالية في بدايتها الصاعدة، فجميعهم يشتركون في ميزة واحده وهي صفة تعدد الأدوار والوظائف، وهيكل كان مبدعاً وناقداً أدبياً وكاتب مقال ورئيس تحرير، ووزيراً وهذا التعدد كان يرجع في ذلك الوقت إلي أن مصر كانت تحتاج إلى من يسهم بالأدوار الكثيرة المتعددة حتى وصولها للنهضة القومية، وهكذا تعددت الأدوار لدي العقاد وطه حسين.
وأوضح عصفور أن هيكل كان يشابه كثيراً طه حسين باعتبار أن هيكل هو مبدع ثقافي، فهو الذي كتب رواية «زينب » التي تم نشرها 1914، والتي تعد بداية فنية ناضجة لكتابة الرواية، فتعتبر رواية زينب من المحاولات الأدبية الروائية، التي تتميز عن سابقها من المحاولات الروائية التي ترجع إلي القرن 19، لأنها روايات لم تحقق الانتشار والدقة الفنية الروائية، كما فصلت رواية «زينب » لهيكل.
وأعتقد أنه منذ نشر هذه الرواية أصبحت لدينا بداية قوية للرواية العربية الحديثة بمعناها الفني المكتمل، ولكن رغم نجاحه في فن الرواية، إلا أن هيكل الروائي العظيم لم يكمل مشواره الروائي بعد ذلك، حتى كتب عنه عميد الأدب العربي د. طه حسين في مقدمة رواية «هكذا خلقت » لهيكل وتساءل د. طه ما الذي أسكت هذا الرجل كل هذه الفترة عن كتابة الرواية؟
وأضاف د. جابر: إن هيكل من زاوية المبدع فله بصمة متميزة ومتفردة وواضحة المعالم في فن الرواية وفن السير الذاتية، وهكذا في فن التراجم، حيث ترك مجموعة من التراجم استفاد منها الأدباء العرب والغرب، وأوروبا من بعده حتى اليوم، كما كتب هيكل عن «الفيلسوف الفرنسي والمفكر «جان جاك روسو» في جزأين عام 1921 ـ 1922.
كما لهيكل وجه آخر يتعلق بالناقد الأدبي وترك في هذا المجال بصمات، فإنه أول من أكد أن النقد الأدبي ينبغي أن يكون موضوعياً تماماً وأن يشبه العلم في انضباطه ولم يختلف معه في ذلك، ولم يحظ هيكل بتسلط الأضواء على تأسيسه لمحاولاته النقدية الأدبية الفريدة باعتباره أول من فكر وأصل مصطلح «تيار مستمر » ومصطلح الأدب القومي، وأكد هيكل في كتبه علي أن أدب كل أمة يتميز بخصائص وطبيعة هذه الأمة،.
كما فكر هيكل بذلك إلي إنشاء أدب قومي، وإن اللافت للانتباه قول د. جابر عصفور: إن هيكل الناقد الأدبي عندما أصبح وزيراً لم ينس تأصيله للنقد الأدبي ولا لمصطلح التيار المستمر ولا للأدب القومي، بل وكان هيكل أول من دعا لإنشاء كرسي للأدب المصري في جامعة القاهرة، وكان أول من تقلد هذا المنصب هو أمين الخولي، وذلك عندما كان هيكل وزير للمعارف.
وأنه بذلك استطاع أن يحقق حلم العديد من الأساتذة عندما أنشأ كرسي الأدب المصري في قسم اللغة العربية، وهو أول كرسي في الجامعات المصرية تم إنشاؤه، اما فيما يتعلق بهيكل كاتب المقال، قال د. جابر: إنه لا تزال رشاقة قلم محمد حسين هيكل موجودة حتى الآن في قراءة كتبه، لأنها تتميز بالسهولة والسلاسة في كتابة المقال على نحو يجعل المقال مقبولاً وميسراً في القراءة.
القاهرة ـ داليا فاروق