منذ نعومة أظفارها، وضعت الشاعرة في أولى اهتماماتها مسألة الالتزام بقضايا النضال في كل مكان في العالم فكانت تدعم في كتاباتها المشردين والشعراء المنفيين وكل من يعاني من جور الظلم وتعسفه. وهكذا فقد كان للقضية الفلسطينية نصيب كبير من أعمالها. في عام 1973 أسست الشاعرة الراحلة «جمعية الدفاع عن حياة وحقوق العمال المهاجرين»، وقد حققت هذه الجمعية نجاحاً باهرا وساهمت في الاعتراف بحقوق هؤلاء العمال بالعمل بحرية وممارسة حياتهم الطبيعية في فرنسا.

ولدت الشاعرة الفرنسية جنفييف كلانسي عام 1923 في باريس وتابعت فيها دراسة الفلسفة حيث حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون الأولى وكانت عنوان أطروحتها «جمالية العنف». ثم درّست مادة الفلسفة وعلم الجمال في نفس الجامعة إلى أن وافتها المنية في الحادي عشر من تشرين الثاني من العام 2005.

في عام 1992، أسست الشاعرة الراحلة مع الكاتبين فيليب تانسلان وجان بيير فاي المركز العالمي للدراسات الشعرية وهو عبارة عن مؤسسة أكاديمية تعنى بالبحث العلمي وتفتح الطريق أمام الدراسات المتخصصة بالفلسفة والشعر وعلاقتهما بالعلوم الأخرى كالمسرح وعلم الجمال والذي جعلت مقره جامعة باريس الثامنة. كان الهدف من هذا المركز معالجة القضايا الشعرية والفلسفية عبر تنظيم الندوات والمؤتمرات المتوالية والتي كان يدعى إليها شعراء وفلاسفة معاصرون. ويستمر هذا المركز نشاطه حتى بعد رحيل الشاعرة حيث يدير الكاتب فيليب تانسلان هذا العام مؤتمراً حول موضوع الحضور والغياب في الشعر المعاصر. وقد كانت تدير أيضاً مجموعة شعراء القارات الخمس التي تصدر عن دار لارماتان الفرنسية للنشر.

لا يمكننا التفريق بين شعر جنفييف كلانسي والتزامها الإيديولوجي بقضايا المظلومين في كل مكان في هذا العالم ونرى ذلك واضحا منذ أولى كتاباتها في مجلة «تغيير» فكثيراً ما كانت الشاعرة تبدأ محاضراتها بأبيات للشاعر الأرجنتيني روبيرتو جواروز مؤكدةً معه أن «الحياة تعود إلى طبيعتها في اللحظة المناسبة التي نختارها نحن، وأحياناً عبر المعجزة التي تتجاوزنا».

وفي معظم أعمالها التي نشرت في دار لارماتان في باريس حيث كانت تدير مجموعة «شعراء القارات الخمس». فقد كانت تعالج في أعمالها العلاقة بين الشعر والفلسفة ونلمس ذلك في دواوينها: «جمالية العنف» (2004)، «جمالية المستقبل» (1999)، «دفاتر الليل» (2004). نذكر أن الشاعر أدونيس ترجم مقاطعاً من قصائدها إلى العربية نشرها في صحيفة الحياة في زاويته مدارات مثل:

التمرد الذي يتم لغاية واحدة :

أن يفرض احترام الإنسان ـ كرامة وحضور ـ ضد القمع الذي يهدمهما، لا يمكن أن يخضع للمساومة،

أنه تمرد محتوم ولا مرد له.

لم تتوان الشاعرة جنفييف كلانسي عن مساءلة العنف في أعمالها الأدبية والشعرية، وهي تميز بين العنف والبربرية فنراها تهتم في كتاباتها بصورة الشاهد. وهكذا فإن مجزرة صبرا وشاتيلا تشكل عاملاً محرضاً للكتابة. في الثالث من شهر نيسان من العام 2002 أطلقت شاعرتنا بياناً لنصرة الشعب الفلسطيني عنونته : «نداء إلى المثقفين في الأراضي الفلسطينية المحتلة» وافتتحته بهذه الكلمات: «إلى كل الرجال الأحرار... إلى كل الأحرار في كل مكان من العالم، نحن المثقفون والفنانون نطلق نداءً إلى الفنانين والكتاب العرب ونطلب منهم التحرك لرفع صوتهم عالياً كي يصل إلى كل الناس في العالم اجمع تضامناً مع الشعب الفلسطيني الذي يخضع لممارسات القوات الإسرائيلية المحتلة. من احتلال البيوت والأملاك إلى تشريد الأطفال وقتل المدنيين العزل... وإضافة إلى ذلك فان القوات الإسرائيلية تمنع المشافي وطواقمها الطبية من العمل وإكمال مهامها الإنسانية، إنها تمنع نقل الجرحى إلى سيارات الإسعاف وتمنع دفن الشهداء!» وختمت قائلةً: إلى كل الرجال الأحرار في البلاد العربية وكل أصقاع الأرض، نحن بحاجة لعونكم ومساعدتكم.

يقول الكاتب فيليب تانسلان عن كتابها «جمالية المستقبل»: «في هذا العمل، تستقبلنا الشاعرة بثلاثة فصول محاولةً أن تنير أعماق الوحدة التي يشغلها الظلام».

باريس ـ منتجب صقر