بغض النظر عن كل ما قيل، في محدودية التصوير الضوئي وبرودته وآليته، وسمة الحرفة المسيطرة عليه، ودونيته بالمقارنة مع الفنون الرفيعة كالشعر والموسيقى والتشكيل، فإنه يؤكد يوما بعد يوم، اجتهاده وطموحه المشروع، واتساع الآفاق التي يتحرك فيها، وجدة المواضيع التي يتناولها، هذه المواضيع التي لا يقدر أي فن آخر غيره، على التصدي لها وتقديمها بالشكل الجميل والطريف والمعبر الذي يقوم به هو.
مما يؤكد تجاوزه للفنون التطبيقية والتشكيلية التقليدية، وقدراته المتفوقة في التعامل مع الحياة المعاصرة، بكل ما يكتنفها من تجديد دائم ومتواصل لا تقدر الفنون الأخرى على مواكبته، وهذا يعود للخاصية التي يتمتع بها، وتواجده في محرق التطور التكنولوجي المذهل، عكس الفنون البصرية الأخرى التي وجدت نفسها في موقف العاجز أمام هذه التحولات السريعة.
ففن التصوير الضوئي الذي ترسخ مع مجموعة أسماء اشتغلت عليه وطورته ليصل إلى ما هو عليه من إنجازات رفيعة طالت مجالات حياتية عديدة: علمية وثقافية واجتماعية واقتصادية وغيرها.
في وقت ما، صرح رائد التصوير الضوئي الفرنسي (غوستاف لوغراي 1820-1881 أن تقنية هذا الفن محدودة المؤثرات، ما يعرقل مقارنة مواضيعها مع تلك التي تتطرق إليها المحفورة المطبوعة، أو اللوحة الزيتية، مثل مشاهد الصيد.. لكنه لو عاش إلى يومنا هذا، لغير رأيه ونظرته إلى هذا الفن الذي كان له فضل كبير في تطويره تقنياً وفنياً.
حيث كان يؤمن بضرورة التضحية بالتفاصيل في الصورة الضوئية لتبقى في دائرة الفن، بعيدة عن التوثيق، معللاً ذلك بأن الجمالية هي في الاستغناء عن التفاصيل الواقعية، لارتقاء الفوتوغرافيا سلم الجمال. كما قام (لوغراي) باستبدال سلبيات الزجاج سريع العطب، بالتعاون مع معارفه من الكيميائيين، بورق المشمع الجاف. كما أوجد حلاً تقانياً آخر هو الحصول على صورة لتفاصيل الأرض والسماء معاً، عندما قام بتصوير كل منهما على سلبيتين مستقلتين.
هذا الفنان الضوئي وغيره، أسسوا لنهضة هذا الفن الكبيرة التي نشهدها حالياً. وهاهم أحفادهم يتابعون المهمة بحيوية نادرة، جاعلين من وسيلة تعبيرهم (العدسة) سلاحهم الذي لا يفارقهم، تحسباً لأي صيد ثمين يتحرك حولهم، مهما كان، وأينما كان.
لقد بدأ فن التصوير الضوئي بسيطاً، محدود القدرات، لكنه سرعان ما تطور ليجد نفسه في مقدمة الفنون البصرية القادرة على رصد الإنسان والطبيعة وظواهرها المختلفة والعادية والطارئة، خاصة منها المتسمة بالجمال والطرافة والمحكومة بالقدرة وعدم التكرار، ما يجعل منه أهم وسيلة رصد وتوثيق.