تروي مونودراما «مساء العرض الأول» قصة امرأة تخرج من المسرح ليلة العرض الأول لمسرحيتها فيتبعها رجل طوال الطريق. ينشأ حوار داخلي لدى هذه المرأة التي لم تكن تدري إذا كانت تستطيع أن تتفادى ذلك الرجل أم لا.

تستمر هذه المتابعة حتى تصل إلى بيتها. ثمة علاقة غامضة وصامتة في نفس الوقت بين تلك المرأة والرجل الذي يتبعها، فهم لا ينبسون ببنت شفة طوال الوقت ـ كما يوضح النص ـ ومع ذلك فهو يقضي الليل معها كأن الحوار الداخلي بين أحاسيسهما غلب على الكلام في تلك العلاقة العابرة التي جمعتهما صدفة في مساء العرض الأول.

وهنا فإن المشاهد يجد نفسه أمام تفاصيل من الحياة اليومية التي تحيط بتلك المرأة دون أن يفقد العمل بعده المسرحي وذلك بفضل لعبة الإخراج التي عرف المخرج نبيل الأظن كيف يدير خيوطها.

في هذا السياق تم اعتماد بعض التقنيات السينمائية حيث كان يرافق المسرحية عرض مقاطع من فيلم كريم بطرس غالي بالأبيض والأسود وقد عرضت بشكل بطيء يتناسب مع إيقاع المسرحية المحكوم بالجمل القصيرة والمتكررة. في هذا العرض يتابع المشاهد سرد المسرحية التي تؤديها ممثلة وحيدة على الخشبة، فالحدث يتمثل في الكلام كما هو الحال في العديد من المسرحيات المعاصرة.

فضاء الأحاسيس

عرضت هذه المسرحية على خشبة مسرح موفتار في مدينة باريس، وهي من تأليف الفرنسية كلير بيشيه التي حصلت على جائزة أفضل رواية عام 2001 عن روايتها «بين قوسين» ، وإخراج المخرج اللبناني الأصل نبيل الأظن الذي يقدم في كل مرة رؤية جديدة للتعامل مع الممثل والنص في آن واحد. تكمن أهمية هذا النص في كونه يروي تفاصيل حدث لا نصادفه عموما في المسرح حيث انه ينقل بدقة الأحاسيس الداخلية للمرأة.

ويقول المخرج نبيل الأظن في تقديمه للعرض :«ثمة خصوصية ما في كتابة كلير بيشيه المسرحية. فالجمل قصيرة كالنفس المتقطع، واضحة، متكررة وقاطعة كالرغبة. هناك الليل مع أمواجه وروحه، أسراره وأوهامه. يقض مضجعي فضاء من التيه وفقدان الجاذبية، من المراوحة والشك.

حيث كل شيء ممكن تماما كما في الحلم. الحلم رائع كذلك علاقته مع الواقع وقدرته على التحرر وضرورته. أقوم بمشابكة هذه الأشياء على الخشبة مع الصورة واضعا مخططات وحلول إخراجية ووجهات نظر كي أصحب المشاهد إلى فضاء من الأحاسيس حيث يمكننا أن نلج إلى تجربة الممثلة».

المقطع الأول

«أول شيء عرفته عنه كان وقع أقدامه. كانت خطواته منتظمة وسريعة. كانت الضجة التي أسمعها خلفي واضحة وطاغية على الأصوات الأخرى التي تنبعث من الرصيف ومن الميناء، لقد كان يمشي هكذا خلفي، بهذه الخطوة ومع هذه الضجة. أول شيء أذكره منه هو حضور خطواته. كان يقترب باستمرار، على الأقل كنت أحس أنه كان يقترب. وهنا شعرت بوقع أقدامي وبإيقاعها.

حيث انني في الحالة الطبيعية لا أعيرها أي اهتمام. كنت اخرج من المسرح، كان ذلك مساء العرض الأول وكنت ألبس أحذية بكعب عال. لم تكن الكعوب مدببة لكنها كانت رفيعة ودقيقة جدا لدرجة أن الفراغ بين قاعدتها والنقطة التي ترتكز عليها يزيد من وقعها على الاسفلت.

وكلما كنت امشي كنت اسمع طرقات قدميه على الرصيف، طرقات لكل خطوة، ولكل خطوة من خطواتي طرقة على الاسفلت، صوت حميمي لأنه كان صوت كعب حذائي، لكنه مضخم بالإحساس الواضح الذي كنت استشعره، ومتغير تبعا لانتظام خطوات ذلك الشخص الذي كان يتبعني. لكنني لم أكن أعرف هذا أيضا .

لم أكن استطيع أن أتأكد فيما إذا كان هذا الشخص، هذا الرجل يتبعني. كنت أستطيع تماما التأكد من أنه كان خلفي وكان ذلك ما كنت أقوله لنفسي. شخص ما خلفي. هذا كل ما في الأمر».

باريس ـ منتجب صقر