لماذا توقف الطائر المغرد عن الغناء ؟! كان يغني وينشد أعذب الألحان !! هذا الطائر الصغير، الحبيس القفص، حبساً انفرادياً، لم يتوقف لحظة واحدة عن الشدو، لم يتوان عن الشجن، في جنبات الكون، لإسعاد البشر.

الآن، صمت إلى الأبد..

كان يغني ـ فيما مضى ـ ويسعدنا. ونحن سعداء، لم نشعر به، نحس بوجوده بيننا، إلا.. بعد صمته، الصمت الطويل. الآن، أحسسنا أننا فقدناه، فقدنا ألحانه الرائعة، وهو الذي عاش طوال عمره الفني في قفصه وحيدا، حزينا.. دون رفيق. يغني لنا، ونحن نطرب، ونطرب، ولا نفكر فيه. يقدم عصارة فكره وقطرات دمه وعرقه.

ونحن ننصت ونصغي، نهتز طربا، ولا نفكر فيه أبدا. لم يتطرق إلى أذهاننا لحظة واحدة.. أنه داخل قفص، حبس انفرادي، دون شريك أو رفيق أو حبيب. هذا الحبيس المغرد.. يبث الطرب بين أرجاء المكان ويدخل الطمأنينة على نفوسنا السقيمة التي أصابها القلق والحيرة. وفي نفس الوقت.. يبث شكواه وأنينه من خلال ألحانه الحزينة، يعبر بكلمات قليلة عن آماله العريضة وأحلامه الكبيرة، في الانطلاق خارج أسوار القفص، بعيدا عن الحبس الانفرادي.

كنا في واد آخر بعيدا عنه، وكلما اشتدت عليه أحزانه وزادت عتوا، أعطى أعذب ألحانه.. وتوقف القلب النابض المتدفق عن العطاء.. ما أقسى قلوب البشر. ياللحزن العقيم.. عندما فتحنا له الأبواب، رفعنا عنه الأسوار الحديدية العالية، تركنا له حرية الاختيار للتحليق في آفاق الكون الرحب.. كان قد مات. مات الطائر المغرد الذي أسعدنا كثيرا. صمت عن الغناء للأبد !!.

بعد أن نواريه التراب، نعود أدراجنا من جديد.. نحس بأننا فقدناه، خسرناه. كان يسعدنا، يشجينا، يخفف عنا الهموم والكروب أيام المحن وفي أوقات الأزمات.

وتبدأ الحكاية من جديد..

لا نتوقف في البحث عن طائر آخر، نضعه في القفص.. حتى يغرد لنا أعذب الألحان، نسعد ويشقى الطائر الحبيس، نضحك ونمرح ويبكي هو ويتألم.. ثم يموت لنعيش نحن في غمار السعادة على حساب آلام الطائر المغرد.

وفي نهاية كل حكاية، نتساءل : لماذا مات الطائر المسكين داخل القفص ؟!

المعاناة..

يا طائر الصمت والحنين والألم، نسافر في الزمان. زماننا نحن، الزمن الفني والأدبي. كل طيور الصمت ترتحل في جنبات الكون الأربعة، كل الطيور المغردة التي تعشق الأسفار بالليل والنهار، في زمن ـ كان ـ يحلو فيه الحل والترحال.. يحلو فيه الطواف والرؤى والإنصات. نأخذ ونعطي.

ولا نحسب، نحن الطير، من منطق الطير، حساب المكسب والخسارة. لا.. لن نسأل أنفسنا : ماذا قدمنا وماذا أخذنا ؟. عطاء كل الطيور المغردة.. تعطي بلا حدود، لا تأخذ المقابل، هذه الفتات، لن تكون مقابل الشدو والغناء، مقابل العمر الجميل.. وإن كانت حكمة الزمان، الأخذ والعطاء، وإن كان منطق الطير هو العطاء الجميل..

ويمرق الزمن الكزّ العويل، تنتهي رحلة الأسفار والترحال، نحط متاعنا ورحلنا في محطة الوصول، المحطة الأخيرة. نستريح من عناء السير الطويل، الطويل. نتأمل برهة، لحظات، لا تنظروا إلى الوراء بغضب، نستطيع القفز للأمام على نحو أحكم وأحسن.. عندئذ، ياطائري، لابد أن نفتش في جعبتنا، ماذا بهاـ من ذكريات ـ بعد رحلة المعاناة..

التجربة..

ياطائر العشق والجنون، ماذا في جعبتنا ؟ أشياء كثيرة من الذكريات، حملتها تحت جناحيك الرقيقين، ياااااااه... ما أبعد المسافة بيننا وبين هذه الأشياء ـ ما أسرع الزمن ـ هذه أشياء جميلة وعزيزة ـ ذكريات عاشق ـ يود أن يدونها أو يسجلها على ـ حائط الزمن ـ جدار الليل ـ سحائب المزن ـ وتتحول من تذكارات، مواقف، سيرة ذاتية، تتحول إلى حياة طائر عاشق، عبر هذه الفيافي والقفار وغرد هنا.. هذه الأشياء العزيزة على النفس هي تاريخ حياة، هي العمر بأكمله، العمر الجميل..

هل خرج الطائر الجوال من هذه الرحلة وتلك المعاناة، بصدق التجربة الإنسانية الثرية ؟!. لا يوجد يا طائري المغرد، أروع وأعظم من معانقة التجربة الإنسانية، لنعبر عنها في الزمن الآتي.. ياروعة الذكريات والأحلام في زمن الصمت !!.

الكلمة..

أيها الطائر العاشق المغرد، عندما ينتهي زمن الطير ومنطق الطير، الحل والترحال والأسفار.. يبدأ زمن الكلمة. الكلمة الحية النابضة المثمرة. البذرة.. تظل باقية في رحم الأرض المطمئنة، معبرة عن قوة المخلوق، في لحظات الحب والإبداع. كان، هنا، إنسان، طائر، مغرد.. عاش ومات على الكلمة.

عبدالستار خليف