أكد المشاركون بالملتقى القومي الثالث للفنون الشعبية، الذي عقد مؤخراً بالمجلس الأعلى للثقافة في القاهرة على ضرورة استثمار إمكانيات المأثورات الشعبية العربية في ديارها المحلية في وضع خطط استراتيجية تنموية، تضع في اعتبارها التنوع الثقافي والثراء الفني لهذه المأثورات الشعبية.
ولذلك لابد من دعوة الدول العربية للحرص على توقيع اتفاقية اليونسكو لعام 2003م، لتسجيل وحماية التراث الثقافي غير المادي، والاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة. وشدد المشاركون بالملتقى الذي جاء تحت عنوان «المأثورات الشعبية والتنوع الثقافي» على الدعوة إلى تكوين هيئة من خبراء المأثورات الشعبية والقانونيين العرب تكون مهمتها متابعة تنفيذ القرارات والاتفاقيات الدولية في مجال حماية الملكية الفكرية.
وكذلك الدعوة إلى إنشاء معاهد علمية، ومراكز بحثية إقليمية تعنى بإعداد الكوادر المدربة على جمع وتوثيق وحفظ ونشر المأثورات الشعبية العربية وفق آلية ونظام موحد. وطالب المشاركون المهتمون بالفن الشعبي في مصر والعالم العربي بجمع المأثورات الشعبية ودراستها بالوطن العربي بضرورة تخصيص جمعيات أهلية أو وطنية في كل بلد عربي تمهيداً لتأسيس رابطة الجمعيات العربية للمأثورات الشعبية.
والتنسيق بين هذه الجمعيات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية المعنية بهذا المجال. وخلص المشاركون إلى ضرورة العمل على جمع وتسجيل مواد المأثورات الشعبية والعربية وتوثيقها بالوسائل الحديثة، في سبيل تقديمها للباحثين والدارسين والمهتمين بها، وكذلك العمل على إنشاء مركز للمأثورات الشعبية العربية.
وفي مستهل الجلسات أكد د أحمد مرسي مقرر الملتقى أن التراث الثقافي غير المادي يتطابق مع أشكال المأثورات الشعبية وتعبيراتها، وأنه لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية دون أن يوضع في الاعتبار ما يمكن أن تلعبه إبداعات الثقافة وتجلياتها، خاصة ما يرتبط بالتراث الثقافي غير المادي أو المأثورات الشعبية ودون أن يؤخذ في الحسبان السياق التاريخي والثقافي لكل مجتمع، فالتراث الثقافي غير المادي أساسا على مواصلة إبداعه والاستمرار في أدائه وأن حمايته وصونه لماله من قيمة اقتصادية وتاريخية واجتماعية تتطلب تضافر الجهود على كل الأصعدة، لتحقيق ذلك.
وقال مرسي: إن كثيرا من مظاهر الحياة الشعبية التي تعد مصدراً لا ينضب للإلهام وإبداع فنون وآداب وصناعات وحرف ومعارف وتقاليد مهددة بالاندثار، وهو ما تنبهت إليه كثير من الدول فعملت على الحفاظ على أشكال هذا الإبداع المتنوع وصونها، واستطاعت أن تحقق بها عائداً اقتصادياً ضخما انعكس على أصحاب هذا الإبداع، فحافظوا عليه وعملوا على تجدده وتنميته، كما حافظت به أيضا على هويتها الثقافية.
وأشار الباحث صفوت كمال رئيس الملتقى إلى أنه من الضروري التركيز على قضية التواصل بين المأثورات الشعبية داخل الثقافة الواحدة على اتساع رقعة المكان وتنوع حقب الزمان بما يحمل هذا التواصل من عوامل التبديل والتغيير والتعديل لتستوي في النهاية عناصر المأثورات الشعبية مع واقع الحياة، الذي يعيشه المجتمع بتعدد فئاته.
وتنوع البيئة المحيطة بسكانه كل جيل يضيف شيئاً، أو يضيف أشياء في تواصل ثقافي حي إلى جانب ذلك فثمة تواصل ثقافي بين الثقافات الشعبية في المجتمع المحلي مع نظيره من ثقافات خارجية وتتداخل عناصر من الثقافة الوافدة من الخارج مع عناصر من ثقافته الأصلية المحلية على تعدد وتنوع عناصر كل من الثقافات الأصيلة والوافدة في تتابع زماني واتساع مكاني وتنوع جغرافي.
وإذا كان التنوع سمة من سمات المأثورات الشعبية، فإنه على حسب الباحث عبدالحميد حواس تنوع في اتجاه الوحدة الجامعة للمؤلف، وإذا كانت المحلية أو الإقليمية مظهرا من مظاهر المأثورات الشعبية، فإن البعد الإنساني العالمي طبيعة مستقرة فيها.
ومن جانبها أكدت أحلام أبوزيد الباحثة في مركز الفنون الشعبية أن هناك العديد من عناصر التراث الشعبي، كسلوك الجماعة والأعراف المتبادلة بينها، فالمتأمل في العادات الخاصة بدور الحياة بداية من الميلاد حتى الوفاة مرورا بالزواج يجدها حافلة بعشرات العناصر الخاصة بسلوكيات التهنئة والهدايا المتبادلة والزيارات ووجبات العزاء.
وقالت: إن الجماعة الشعبية قد وضعت إطاراً لما يعرف بآداب السلوك في العديد من الممارسات الشعبية فيما يخص اللائق وغير اللائق منها، ونستطيع أن نرصد من خلال ذلك العديد من القيم الاجتماعية المتأصلة لدى الجماعة الشعبية، والتي قد توارى جانبا منها بحكم التغيرات السياسية والاجتماعية ومفاهيم العولمة، التي جارت على بعض هذه القيم.
ومن عمان تناولت الباحثة آسية بنت ناصر سيف البوعلي جانباً من جوانب المأثورات الشعبية المادية العمانية متمثلا في الصناعات الحرفية بوصفها عنصرا فعالاً ضمن عناصر تشكيل وتحديد الهوية العمانية، حيث تطرقت إلى مختلف المأثورات الشعبية المادية العمانية ويذهب الباحث حنا نعيم حنا من خلال حديثه عن العولمة والمأثورات الشعبية وعودة إلى الثقافة المادية التقليدية في شكلها التطبيقي إلى أن العولمة هي عملية اقتصادية في المقام الأول، كما أنها تحكم وسيطرة وضوابط مع إزاحة أسوار وحواجز.
وعن كيفية الاستفادة من المأثور الثقافي في ظل العولمة قال: يأتي ذلك من خلال الجانب التطبيقي للثقافة المادية التقليدية والانتفاع بالمعلومات والدراسات المقدمة من علم الفولكلور والانثروبولوجيا الثقافية، فقد انتبه إلى تلك الحقيقة الجوهرية الغالبية الغالبة من الدارسين على مدى تاريخ هذه الدراسات، وإن اختلفت غاياتهم وراء الانتفاع حتى يمكن تحقيق الرفاهية الإنسانية، وهو ما يطلق عليه الفولكلور التطبيقي .
وأشار الباحث المصري في ميدان الأدب الشعبي إبراهيم عبدالحافظ إلى أن منطقة الشمال الشرقي في سيناء التي تعرضت رغم بداوتها وفي مقابل موقعها الجغرافي وظروفها التاريخية وتكويناتها البشرية إلى موجات متعددة من الجذب والشد،لأنها شهدت في العقود الأخيرة تنفيذ الكثير من مشروعات التطوير والتحديث بحيث يمكن القول إن المجتمعات البدوية لم تعد مغلقة أو شبه مغلقة، ولم تعد بمنأى عن آثار العولمة، نظرا لانتشار وسائل الاتصال السريعة الحديثة.
القاهرة ـ داليا فاروق