شاعر حرّ لا ينتمي إلى أي مدرسة شعرية، شعره أكبر من المدارس، محمد علي شمس الدين، صاحب أسئلة في الشعر وصاحب غموض شعري أبعد من الكلمات. كتب أجمل قصائد الحب في زمن الحرب لأن في رأيه كلما ضغطت الظروف تشتد رغباته في التعلق بالأمل، هو شاعر يغرّد خارج الأسراب، حالته الشعرية تنطلق من منطقه ميتافيزيقية في الغيب، ولديه في الكتابة غريزة لغوية.
* كيف تنظر إلى القصيدة وهل الكتابة أمر صعب؟
- القصيدة هي تجلٍ وأعتقد أن القصيدة هي بمثابة انبثاق من الداخل أو كما يقول الصوفي فيض من الداخل وما يصنع القصيدة بمعظمها هو اللاوعي وأحياناً الأحلام. فالكتابة الشعرية عندي لا تتحقق بوعي وتدبر أي أنا لا أصنع القصيدة بل تنبثق كما ينبثق الضوء من الشمس، والذي يحيّر هو من أين تأتي القصيدة؟ من أين تناديني؟
من أي مكان وأي زمان؟ وكيف تتولّد الكلمات؟ أما الأمر الثاني فهو كيف تولد شبه مكتملة كأن طفلاً يولد بمقاييس الجسد والأعضاء والتناسب في أحسن تقويم، من هنا أعتقد أن الشعر ثمرة من ثمار الغيب أو الميتافيزيقي على الأقل بالنسبة لما أكتبه وكما أرى أنه كتبه آخرون من أمثال شعراء الصوفية ابن عربي، ابن الفارض، جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي.
* من أين تنطلق حالتك الشعرية؟
- حالتي الشعرية قد تنطلق من ذكرى أو حزن غامض أو حب أو رجاء وربما حرّكها شعر آخر أو موسيقى أو حركة في الحياة أو فكرة بمعنى أن ما يحرك الشعر في نفسي محرّضات كثيرة لا أستطيع حصرها ولا معرفة أوقاتها ومواعيدها، هي على الغالب مُفاجئة، كما أنها دائماً يرافقها قلق وحزن ووحشة ولا يجلو الحزن والوحشة سوى بعد الانتهاء من القصيدة.
* كلما كانت الظروف ضاغطة تشتد رغبة الكتابة لديك فتكتب عن الحب في زمن الحرب وعن الحرب في زمن الحب، ما السبب؟
- هناك عزلة أو انفراد أمارسه على نفسي لجهة أنني أدخل في ذاتي وأحاول أن أستفرد بها دون الآخرين وهي مسألة تترك بيني وبين الناس وبيني وبين الأشياء مسافة اسميها مسافة التأمل والتوحد، وأحاول أن لا أصاب بعدوى الخارج قدر الإمكان لعدة أسباب من بينها ممارسة التأمّل وحراسة الذات من بعض المؤثرات السيّئة للخارج عليها ولهذا تجدين أشعاراً للحب أكتبها في وقت الحرب والعكس صحيح. فما يصنع القصيدة هو التأمّل والحلم وهما طائران طليقا الأجنحة ويسافران في الزمان والمكان.
* هل على الشاعر أن يكون عبداً للزمان والمكان؟
- هذا سؤال جميل والجواب على سؤالك صعب، فلو افترضنا أن بقدرة الشعراء أن يتحرروا من المكان المحدود والزمان المحدود لكي ينطلقوا في المطلق المكاني والزماني، فالسؤال هو: أين هو هذا المطلق؟ الشاعر قادر على ابتكار أزمنته وأمكنة مغايرة ورموز وحياة أخرى غير هذه الحياة التي نعيشها. إنه كما قلت الكائن الحالم. وأقول في إحدى قصائدي:
«لو كان لهذا الطائر أن يخرج من تحت جناحيه فأين يطير؟».
* لأي مدى تتأثّر الحداثة العربية بالغربية؟
- الحداثة بمعناها المتداول غربية الأصل والمواصفات والعناصر ولا بأس بذلك، فالعالم مفتوح على بعضه وليس بإمكان لا الشاعر ولا المفكر ولا التاجر أن يعيش في عزلة، فإذا لم يتواصل مع الثقافات الأخرى، فإن هذه الثقافات تدق عليه الباب دون استئذان.
وحيث ان الموضوع ينطوي على تداخل ثقافي نلاحظ أن هناك شرطاً للتفاعل لكي لا تضيع هوية الثقافة التي أنتمي إليها. هذا الشرط هو التمثيل والإبداع أي آخذ من الحداثة ما لا يستطيع أن يلغي خصوصيتي في ثقافتي، في تاريخي، في حساسيتي، في أفكاري، ولغتي، وهنا تصبح الحداثة غنيً وليس سطوة، أما إذا سطت الحداثة بمعناها الغربي على النص الشعري العربي وجرّدته من خصوصياته يصبح الشعراء مترجمين في حين أن الشاعر هو ترجمان ضمير الأمّة، وطفل اللغة وطفل المعنى والثقافة.
وهناك توازنات لا بد منها وعندما نتعامل مع الثقافات الأخرى، فبين أن نكون محافظين ومنضوين وأن نكون آخرين منزلة وسطى بين المنزلتين هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية نجد شعراء يستعيرون أصابع الآخرين ويشربون من حبرهم فيحسهم القارئ أنهم يترجمون الشعر ولا يكتبونه.
* ما دور الإيقاع في الشعر العربي سيما أنك منشد أكثر للقصيدة الإيقاعية والموسيقى؟
- الإيقاع في الشعر العربي هو معطى تاريخي ومكاني أيضاً بمعنى أن الموسيقى بنت المدينة. الإيقاع أصل غنائي شرقي وعربي بامتياز بل لعلّ موسيقى الشعر أو لعلّ ما يميز الشعر عن النثر في العربية هو موسيقى الوزن.
يقول ابن سينا والفارابي ان الشعر هو المخيّلة مسكوبة في الأوزان وهي النظرية الكلاسيكية العربية للشعر أي مخيلة بلا وزن ليس شعراً ووزن بلا مخيلة ليس شعراً هو قالب فارغ. هذه المعادلة تطورت بتطور الحضارة العربية وتطور الموسيقى العربية، لما دخلها من روافد وتطور المخيلة أيضاً مما رفدها من محرضات وثقافات، إنما ثمة خيط رفيع في الإيقاع أراه ويراه آخرون سواي ضرورياً أحياناً ويتمثل في نواة الوزن «التفعيلة».
أنا لا أنفي أن ثمة معطى جديداً ظهر في فرنسا على يد بودلير واكتسح العالم اسمه قصيدة «النثر»، من حيث نعم لكن إذا كنت لا أجادل كثيراً في النظرية فإنني شديد الجدال في النصوص الشعرية. فنصوص الماغوط الأولى على سبيل المثال مقنعة بلا جدال ولا استفاضة في النظرية.
فالموسيقى هي نبض القصيدة هي موسيقات «بالجمع» وليس موسيقى واحدة وأنا ألوّن وأنوّع وأفرّع. فالحداثة ليست شكلاً فحسب فهي نبض جديد لمعان مخزونة ومبتكرة مع إضافة أنني أعتبر أن القصيدة هي الأصل وأن النظرية تأتي بعدها. من جهة ثانية هناك إرث ومعطى موسيقي ورؤيوي «رؤيا» متنوع للقصيدة ولا أرغب في التخلّي عنه كما لا أرغب أن أكون عبداً له.
* ماذا عن الحبيبة أو المرأة في قصائدك؟
- هناك أسماء كثيرة للنساء وأوصاف وأحوال وحالات والجسد الأنثوي ليس مفصولاً عن الطقس النفسي للعشق، أضيف ليس مفصولاً عن الطقس الغيبي أو الديني. يقول عني المستشرق الإسباني «بدرو مونتابت» أن لديّ ما يسميه «الايروتيك الديني» يعني المرأة كأجمل مخلوق في الكون غير مفصلة لا عن جسد الرجل.
ولا عن جسد الأرض ولا عن العلاقة الجسدية للخصب والولادة. وهذه العلاقة بين بعضها هي غير بعيدة عن الإسلام سواء في جوهره الفكري في نظرية الخلق أو الإسلام العمراني في أشكال القبة والمئذنة، فشكل القبة الذي هو شكل هندسي هو في اللحظة نفسها شكل معماري وشكل أجمل جزء من جسد المرأة وجسد السماء.
بيروت ـ رانيا غانم
