زرته في مرسمه كان يعد نفسه للرحيل إلى بيروت، فقد حجز صالة اليونسكو لمدة أسبوع، ويجهز لوحاته للمعرض. كان قلقاً يدور وراء الأشياء ثم لا يستقر على حال إنها دعوة من وزارة الثقافة اللبنانية، لوحاته تملأ المكان، فأيها سيختار، وأي الألوان سيبهج اللبنانيين، وحين وصلت القهوة، استراح وهدأت نفسه قليلاً، وبات على شفا حفرة من النار، قال : « العمل في الغد متعب، ولكن لذته لا تقاوم».
ربما يسأل المرء نفسه هذا السؤال، من هو وحيد قصاص ؟ والذين يعرفون أهل الفن ومن جاء على ذكرهم، يذكرونه كواحد من الفنانين الذين لم يأخذوا حقهم، لا في الفن ولا في الحياة. إنه كاسمه «وحيد» في المقهى وفي الشارع وربما في البيت أيضاً، وربما خَلَقَ من عزلته طاقة فنية لا تقاوم،
إنّ هذا الضغط اليومي سينفجر إلى لوحات لا تنتهي، وإلى ألوان تغمر الأفق بظلالها، قال عنه الفنان سعد يكن : « وحيد قصاص. .. فنان يتجه نحو التجريب في العمل الفني ليقدم رؤية تشكيلية تحمل سمات العمل الفني بروح الإبداع والتجربة، لوحات تصرخ بحب للعين والأذن كأنها عاصفة موسيقية لم تسمع بعد».
تخرج وحيد قصاص من كلية الفنون الجميلة عام 1991 ليبدأ تقديم المعارض، فأقام العديد من المعارض، داخل القطر وخارجه، ثم رحل إلى الشقيقة قطر، ليعمل في تدريس الفن للأطفال، بقي فيها لمدة عام، ثم عاد ليعمل في وطنه، وأعماله مقتناة في فرنسا وألمانيا وسويسرا واليونان وتركيا.
وجوه الصبايا المتعبات الحزينات تزيّن رسومه، تراها وحيدة مهزومة وأسيرة الحزن الطويل، تجلس في اللوحة تقصّ عليك أخبار حزنها بصمت لا ينتهي، هي وزميلاتها اللواتي كنّ أسرى العمل الفني، يأتي بهن وحيد قصّاص من الحياة، السرّ الذي يهب نفسه لعذاب اللوحة.
شلال من ألوان يغمر لوحته به، يتدرج ما بين الأزرق القاتم والأصفر الفاقع، ثم يأتي الأحمر بجبروته ليسيطر على كل الألوان، نجده يستعذب لعبة الألوان، فيغير بها، ويقلبها رأساً على عقب لتعود اللوحة كما كانت عذبة نقية، وإذا الألوان تنتشر في كل جزء مهما كان صغيراً، إنه يلعب بالألوان يتسلّى بنا، إنه كالساحر يفرش لنا الأشياء ثم يخفيها عن عيوننا بلمح البصر ويخرجها لنا ملونة بألوان الحياة.
صخب عاصف من الألوان، هكذا هي لوحات وحيد قصّاص، اللون يجر اللون في لعبة لا تنتهي، ويبقى وحده المسيطر على هذه الجزيرة، ينشئها كما يريد ويفصلها كما يرغب، إنه فنان « يبحث في غرابة التشكيل ليصل إلى تكوينات متداخلة بعيداً عن مشاعر البهجة المباشرة قريباً من الحلم الأبدي نحو آفاق تمنح العين كل الرغبات القريبة من القلب حتى حدود الأمل».
في لوحات حلب القديمة يشدّك الفنان إلى عمله بلمح البصر، فهذا باب خشبي مزين بمسامير نحاسية كبيرة وسقاطة، وهنا نافذة كسر بلورها فغدت شيئاً مكسور القلب، وهنا درابزون حلّ عليه الثلج، فأخذ منظراً حلواً وجميلاً، أنظر إلى هذه اللوحة سوف تسحرك من القلب،
أرض الدار العربية وقد امتلأت بأوراق الشجر وهذه الأشجار تودّع أوراقها وهي تنزل على الأرض، أشجار من الكباد والنارنج والبرتقال والليمون، امتلأت ساحة الدار بها، الأبواب والشبابيك وقد عصف بها فصل الخريف، القناطر والبوابات ورجل يعبر من هذه القنطرة، الرجل يرتدي ثياباً سميكة ويمضي إلى المدينة القديمة.
وفي لوحة القوارب تلمح قاربين يحكيان لبعضهما سرّ الرحلة المجهولة، إنهما ينتظران الحشد بكامله ليبحرا بعيداً عن عيون الناس. .. (ساعة، ساعتان)، لا أحد يأتي إليهما وتظل مياه الشاطئ تضربهما بانتظار اللحظة المناسبة.
الأبراج والمساجد والكنائس وأسطح المنازل، كلها لوحات تعطيك صفاء للنفس وتمنحك خلوداً للروح. وهناك دائماً ما يشدك إلى لوحته، بيت عربي وحمامة تطير في وسط ساحته، ناي يرتل أجمل الألحان، تسمع موسيقاه فتذوب حناناً،
وترى لوحته فيأسرك بصمته وفنه، إنه وحيد قصاص الذي يعمل بصمت، ويجالس وحدته فلا يدري عما يتكلم الآخرون، ولا شيء يستقر على القماش سوى رغبات منكسرة وأحلام تتناقض بين الرفض والقبول.