إذا كانت المادة الخام تحمل صفات فيزيائية ثابتة عند علماء الفيزياء فإنها ليست في حالة ثبات تشكيلي عند الفنانين، فلكل فنان مهارته التي يستطيع من خلالها التعامل مع الخامة إذ يظل عاكفاً على تجسيد أشكاله النحتية من خلال مهاراته، وهنا يكمن تميز هشام عبد الله الذي يظل في حالة بحث دائم في صفات الخامة وما يمكن أن تعطيه ليجسد أشكالاً ذات صيغ تشكيلية جديدة مبتكرة تضيف إلى خطه الذي يميزه عن سائر النحاتين الآن.

«هشام» نحَّات مصري عُرضت تماثيله في عدة معارض داخل مصر وخارجها منذ حوالي عشر سنوات، فقد شارك للمرة الأولى في بينالي القاهرة الدولي للخزف عام 1996 وحصل منه على جائزة الشباب، ثم على جائزة لجنة التحكيم عام 2000 واشترك أيضاً في سمبوزيو أسوان الدولي للنحت، وملتقى الفخار بقنا.

وفي هذا العام شارك في المعرض القومي وصالون النحت الأول للخامات النبيلة، كما طار بتماثيله إلى أثينا عام 2004 واشترك هناك في معرض الفن المعاصر وله مقتنيات في متحف الفن الحديث بالقاهرة، ومتحف أسوان المفتوح، وفي أكثر من موقع بالثقافة الجماهيرية بالمحافظات المختلفة، بالإضافة إلى أن أعماله تزين الميادين العامة في المنوفية والشرقية وأسوان وغيرها.

لا تقتصر أعماله على خامة واحدة، بل تنوعت بين الحجر الجيري والبازلت والخشب والمعدن، لكنه استطاع تطويعها جميعاً برهافة مشهودة وصبر فنان، تتراوح تماثله في الحجم بين عدة أمتار وعدة سنتيمترات، وفي الشكل بين التجريدي والطبيعي والسريالي والواقعي..

وغيرها، وفي كل ذلك هناك رؤية شديدة الخصوصية، ورسالة واضحة لا تخفى على المشاهدين بتنوع خلفياتهم عن الفن التشكيلي ومدارسه ورجاله، تضعه في قائمة النحاتين المهمين في تاريخ النحت المصري الحديث منذ محمود مختار وحتى يومنا هذا لكنه يحب خامة البازلت أكثر من كل هذه الخامات لأنها تحمل لوناً محايداً يستطيع أن يستوعب الضوء بشكل جيد.

كما أنها طيِّعة وتقبل الكثير من التقنيات وتعطي إحساساً خاصاً بأنها تتجسد كصور فوتوغرافية قديمة من الأبيض والأسود، تشبه لون الطمي وتتعايش مع لون التراب والزرع، وهو ما يساعد على ربط المفردات التي استفاد منها بالمناخ البصري المحيط بها.

تتابع زمني وبالرغم من أن النحاتين في مصر يلجأون ـ غالباً ـ إلى التراث الفرعوني يستفيدون منه ويضيفون إليه، فإن هشام عبد الله يلجأ إلى الاستفادة من مفردات الريف المصري ـ وهي نظرة مختلفة لاشك ـ فيحاول تنظيم هذه المفردات تشكيلياً لتتحد فيما بينها وتعطي مدلولاً تعبيرياً يؤكد هويتها ومصدرها الثقافي البصري.

فيما لا يغفل جانب الحداثة ومفهوم التلخيص في الشكل، فليس مهماً ـ في هذه الرؤية ـ محاكاة الأشكال بنسبها الطبيعية كما هي في الريف، ولكن إعادة إنتاجها من منظور تشكيلي جديد يعطيها وجوداً حداثياً مختلفاً، ويحافظ على هويتها وخلفيتها الثقافية في الآن نفسه.

إن عفوية الأشكال الريفية تحمل من النقاء ما يثير شهية التجريب ومحاولة إيجاد حلول وصياغات تشكيلية تجمع الأشكال داخل تكوين جماعي متسق ومتناغم مع إمكانية تغيير أوضاعها داخل التكوين ليعطي مزيداً من الحرية والحيوية ويؤكد عامل الزمن داخل الأعمال، فالطائر ـ مثلاً ـ هو أحد مفردات البيئة الريفية لديه، استطاع أن يحركه داخل أشكاله، من فوق نخلة أو شجرة إلى ساقية، ثم يهبط على الأرض، ويذهب إلى المسقاة..

في تتابع يبرز البعد الزمني داخل العمل النحتي ويعطي دلالة تعبيرية على استمرار الحدث. هنالك خاصية أخرى تجعله مختلفاً، وترتبط في الوقت نفسه بمشروعه القائم على الاستفادة من المفردات الريفية، فهو لا يتعامل مع قطعة النحت كجماد كما في الأعمال الفرعونية الضخمة أو أعمال عصر النهضة، بل يحاول أن يضيف إليها من عبق الحياة اليومية ما يغير شكلها، وبالتالي يعطيها أبعاداً لا يستطيعها الحجر الأصم.

ومن هذه الإضافات أنه يعرض المسقاة وحدها كعمل نحتي مكتمل، ثم يعود ويضعها أمام طائر كان منفرداً ومكتملاً هو الآخر ليكوِّنا معاً شكلاً تجميعياً، ثم يضع الطائر فوق جدار ليصنع شكلاً ثالثاً، أيضاً فإنه يترك المسقاة فارغة إذا وضعت وحدها أو إلى جانب الجدار، لكنه يملؤها بالماء إذا أضاف الطائر إلى التشكيل.

بل إنه ـ إذا سجلها فوتوغرافياً ـ يتخذ زاوية تظهر السماء من خلالها على صفحة الماء لتعطي الشكل الجامد حيوية وسخونة المشاهد اليومية، ربما لهذا يهتم بتصوير أعماله في محيط بيئي مناسب يساعد على إبرازها، فأغلب الخلفيات تتراوح بين الزرع والسماء والنهر والطين بألوانها المتعددة: الأخضر والأبيض والبني والأزرق بدرجاته، فيزداد لونها الطيني وضوحاً من جهة، كما تتناغم وظيفياً مع هذه المفردات البيئية كونها تنتمي إليها في الأساس.

الهوية والنحت الحديث بدرجة كبيرة ينجح هشام عبد الله في إزالة التشاؤم إزاء حركة النحت في مصر بالمساهمة في تغيير المفهوم الراسخ لدى كثيرين من النحاتين والمهتمين بأنه لا يوجد ما نستطيع أن نطلق عليه الهوية المصرية في النحت الحديث، فقد أعطته مفردات الريف ـ كما قلنا ـ مادة خصبة استطاع أن يعمل عليها مواكباً المدارس الحديثة في النحت، لذلك عثر على صيغ شكلية تخصه هو لا غيره، تعبر عن هويته وثقافته .

كما أنه عثر ـ بذلك ـ على مشروعه الخاص، هذا الذي يميز نحاتاً عن آخر، ففيما يظل البعض أثيري الأشكال التقليدية والفكر الجامد الذي لا يضيف إلى حركة الفن، فإن قليلين ـ منهم هشام عبد الله ـ الذين يستطيعون النفاذ من الطوق، وتقديم رؤى جديدة وحلول تشير إلى أنه ما تزال أمامنا طرق جديدة غير مطروقة يمكن من خلالها إبداع فن عصرنا وبيئتنا، لا أن نظل عمرنا كله محبوسين في زمن ورؤى السابقين لأننا لن نستطيع ـ مهما حاولنا ـ أن نتجاوز أعمالهم إذا ظللنا مأسورين داخل أسوارها العالية.

ولا أن نترك أنفسنا داخل أشكال ورؤى غريبة، قد تضيف جمالاً إلى حركة التشكيل عندنا، لكنها لا تضيف إلى أساليبنا ولا تعبر عنا ولا عن بيئتنا.

(وكالة الصحافة العربية)