رواية الكاتب المغربي احمد المديني التي جاءت بعنوان هو «المخدوعون» تتميز برهافة حس وعمق فكري وتسير في اتجاهين..الأول غور في داخل النفس وفيه نوع من «اللعب» بشكل عرض لرؤية الذاكرة أو حتى لرؤية مشتهاة ولرؤية العين ومابين كل ذلك من اختلاف حقيقي او متوهم.

أما الاتجاه الثاني فهو أفقي يعرض كثيرا من سمات الحياة ووجوهها وأحداثها وثمارها سياسة وأمنا وتجارب يومية وفنا وفلسفة بما يبدو أقرب إلى معرض فني فكري ليس فيه ما هو بارد وتقريري بل يقدم ما يقدمه بمشاعر وكلمات حارة ونسج فني موح.

ويشعر القارئ بأن ما يقدمه المديني في الاتجاه الثاني يحفل بأحداث ومشاعر وخيبات فردية خاصة وأخرى عامة وطنية وقومية ولكن الكاتب يورد كل ذلك وغيره بشكل يجعله دائما خارجا من عالم (الاتجاه) الأول أي خارجا من النفس التي غار هذا العام فيها ثم عاد فخرج منها وقد تحول إلى ما يشبه المحنة الشخصية في تداخل عميق بين العام والخاص بل بما يبدو أحياناً حالات مختلفة فقدت الحدود التي تفصل بينها فغدت كأنها بحر واحد على تعدد تموجاته أو مده وجزره.

رواية المديني جاءت في 261 صفحة كبيرة القطع وصدرت عن منشورات احمد المديني.

والمديني قصصي وروائي وشاعر وباحث. ولعل ما كتبه معرفا بروايته يعبر بصدق عن كثير مما جاء فيها خاصة حيث يقول من المشرق إلى المغرب ومن بلاد العرب إلى ديار الغرب وباريس تحديدا ترحل هذه الرواية صانعة عالما تتعانق فيه المصائر وتفترق وتتعدد الفضاءات لتتوحد في جغرافية سياسية وثقافية ووجودية مركبة. هي عندي رواية البحث المتولع عن مرتكز للذات وعن أفق الكرامة الإنسانية تقوده شخصيات تتقلب فوق جمر الهوى والنضال والغربة وخداع الحياة فسراب المثل بين النهوض والسقوط.

الإهداء الذي كتبه لا يقل بلاغة عن هذا القول فهو يهديها إلى من أحببتهم وأحبوني خدعتهم وخدعوني في سنوات باريس العاصفة.تجد الكاتب أحياناً منهمكا في مطاردة الفكرة بشغف لا يقصر في إثارة شغف القارئ. كما يبدو هنا أيضا وكأنه يبحث في مسألة القدرة على التعبير.

ونجده يتحدث الراوي عن البطل وكيف يصبح هو كاملا في يومه أي ليس مشدودا إلى الواقع بالوهم مثل عبد الرحيم لمزابي الذي صمم علي صنع خريطة جديدة للمغرب تمتد من ماضي أحلامه إلى مستقبل خياله يتربع في صدارتها وهو يرى الشهداء الذين ماتوا عبثا يستعيدون ما اغتصبه منهم اللصوص باسم هذا الوطن نفسه ويستطيع هو أن ينفذ فيهم قصاصه.

حتى المشكلات والمآسي الوطنية نجدها تتخذ أشكال صور وجدانية تجمع بين المباشرة والمجاز. وعبر هذه الحالات النفسية يأخذنا الكاتب إلى يوميات الحياة في باريس ومخاوفها وإلى أحداث في التاريخ العربي الحديث فينقلنا إلى جو الخوف الممتد من هناك إلى باريس.يقول كانوا يلتقون أحيانا في دونفيير ليستقلوا منها المترو...

لكننا وانطلاقا من الساحة نوسوس له بأنه قد يتعرض للاختطاف من هناك فالمهدي بن بركة بكل هيبته وحذره اختطف من قلب باريس.. في شارع سان جرمين.. ما رأيك يا عبد الرحيم الذي يقفل راجعا متشبثا بأن الموت في أنفاق المترو أفضل من أن يشرب من دمه هناك ذوو النياشين من عسكر وأمن واتباعهم من القتلة. (رويترز)