الترجمة عن اللغات الأخرى أمر ضروري للتواصل والتفاعل مع منجزات الآخر، إلا أن هذه الضرورة متباينة من مجال إلى آخر، فالمتفق عليه أن ترجمة العلوم لا مناص منه، أما الآداب فالاحتفال حول ترجمتها أمر قائم وبدرجات متفاوتة يصل إلى أشده حول ترجمة الشعر،.

حيث يثار جدال واسع النطاق بين المترجمين والأدباء والمثقفين عموماً حول جدوى هذه الترجمة، فالبعض يرفض هدف الترجمة ويراها جناية للنص الأصلي لأن لكل لغة وقعها الخاص وبالتالي لا يجوز ترجمة الشعر بأي حال من الأحوال.

ويرى البعض الآخر في هذه الترجمة نوعاً من التواصل والتفاعل والمطلوب مع الآداب الأخرى، إلا أن هذا الجدل اشتد بين المترجمين ذاتهم حول كيفية الترجمة ذاتها، فهل يترجم الشعر عن طريق التأويل أم يكون ترجمة المعنيين أو الترجمة الحرفية للقصيدة.

ويري الناقد د. جابر عصفور، أن الترجمة تنقسم إلى نوعين من حيث كيفيتها ونوعية المترجم، فالمترجم المحاكي مثلاً في تعداد المترجمين المتأخرين من حيث المكانة، أو بمعنى أدق لا يتمتع بأية مكانة أصلاً، فهو يحاكي النص الأصلي ولا يستطيع احتواء خصوصيات النص واللغة على السواء، أما النوع الآخر فهو «الترجمة التأويلية».

وهي الترجمة الحقيقية والتي تعتبر بمثابة الخيانة الخلاقة للنص المترجم، والمترجم التأويلي، هو الذي يقوم باحتواء النص، وتمثل خصائصه ومضامينه ثم يقوم بإعادة إنتاجه بما يتفق واللغة الجديدة والثقافة الجديدة التي ينقل إليها المترجم العمل الأدبي.

ويؤكد أن فعل الترجمة في هذه الحالة هو عمل يحسب بالقياس على ثقافتين مختلفتين، ولغتين منفصلتين إلا أن ثمة تفاعلا ما زال قائماً بين هاتين الثقافتين وبنفس الكيفية، فالتأثير مشترك وكذلك التأثر الناتج عن سمة التفاعل بين الثقافات والترجمة هي أحد أفعال الحوار الثقافي الخلاق بين الأمم، كما تؤثر الترجمة على حركة الإبداع الأدبي للأمة، وفي المرحلة الأخيرة ساهمت ترجمة الشعر على وجه الخصوص في ظهور ألوان وأجناس أدبية جديدة أصبح لها تأثير فاعل في الحركة الأدبية العربية.

وفي حين يقر «عصفور» فعل التأويل في الترجمة يتعارض معه د. حامد أبو أحمد أستاذ الأدب الأسباني أيضاً أن تكون الترجمة تأويلاً، أن يقوم المترجم بهذا الدور فهو لا يملك أي حق في حرية تفسير النص، حتى لا تنتهي كل النصوص إلى رؤى مختلفة ومتعارضة مع رؤية كتابها على أساس رؤية المترجم نفسه .

ويقول « أحمد » أرفض إطلاق لفظ تأويل على الترجمة، وأرجح أن تسمى «فناً» أو عزفاً مع ضرورة الحفاظ على ثوابت النص وعدم تأويله، وكذلك يجب مراعاة أبعاد القصيدة، والحفاظ على ماهيتها ووظيفتها الأساسية، مع ضرورة أن يترجم الشعر نثراً، لكي تسهل عملية الترجمة، وتخرج من منحناها الشاق الذي يجعلها عملية تصنيعية تفقد القصيدة قيمتها تماماً، لذلك الأفضل أن يترجم الشعر نثراً، خصوصاً وأن حركة الشعر العربية الحديثة تتجه نحو النثر وأصبحت أكثر تفاعلاً معه.

المعايشة الكاملة

ومن جانبه يعلق د. عبد الحليم عويس أستاذ الأدب الفارسي حرية الترجمة وحرية تأويل النص والتصرف فيه، على الموازنة بين ترجمتين عربيتين لنص واحد، وهذه الموازنة تنطبق على ترجمة أحمد رامي لشعر عمر الخيام، وترجمة أحمد الصافي النجفي «العراقي» لنفس الشاعر، مؤكداً أن الترجمة سواء كانت من الشعر أو النثر، أو إلى الشعر أو النثر تتطلب معايشة كاملة واحتكاكا كاملا بالنص المترجم، ومعرفة ظروفه ولغة عصره الذي كتب فيه .

وكذلك التراث الذي استند عليه هذا النص، وبعد ذلك أعتقد أن الفرصة ستكون أكبر لخروج نفس روح النص من خلال نص مترجم عنه، إذا توافرت العوامل السابقة، وليس من الضرورة بعد ذلك أن نبحث أيهما أفضل ترجمة الشعر إلى شعر، أم إلى نثر ليصبح القياس الأساسي والأهم هو خروج روح النص من خلال المعايشة الكاملة له .

ويرى د. درويش ضرورة ترجمة الشعر شعراً، حتى لا يفقد القارئ هذا التواصل النفسي والانفعالي مع العمل الأدبي، لأنه إذا وجد الشعر في عباءة نثرية سيرى أنه فقد أهم عناصره وهو الانسجام والتناغم الصوتي الذي يعد أشد العوامل تأثيراً في لغة الشعر، ومن خلال هذا العامل تصبح متعة تلقي الشعر متعة كاملة .

وترى د. مكارم الغمري بجامعة عين شمس أن إشكاليات الترجمة تتعدد وتختلف حسب إشكاليات القصيدة نفسها، وتطرح أسلوبين في الترجمة أولهما الترجمة التأويلية أو تأويل النص، وثانيهما هو إعادة صياغة وتشكيل النص بما يتفق والتقاءات اللغتين ( لغة النص واللغة المترجم إليها ) .. مؤكدة أن هناك صعوبة في إعادة تجسيد القصيدة في نفس الشكل الأصلي، لاختلاف ماهية اللغات خصوصاً إذا كانت كل لغة منهما تنتمي إلى جذور لغوية مختلفة مثل العربية والروسية، مما يجعل إعادة وضع الشكل الشعري عملية صعبة جداً.

ويرى الناقد المترجم د. محمد عناني أن أهم إشكاليات ترجمة الشعر، الاختلاف النوعي بين اللغات وخصوصاً بين اللغة العربية والإنجليزية، والتي تمثل أكثر اللغات التي يتم الترجمة عنها، أن عملية الترجمة من الإنجليزية إلى العربية أصعب بكثير من ترجمة الشعر العربي إلى الانجليزية، نظراً لصعوبة العروض العربي وصعوبة تطويعه ليستوعب النصوص المترجمة، رغم أن البحور الشعرية في اللغة الانجليزية أقرب ما تكون إلى البحور الصافية في اللغة العربية، والتي تتكون من تفعيله واحده متكررة، إلا أن الاختلاف النوعي بين اللغتين ما زال قائماً .

وفي هذا الاتجاه، يرى الناقد إبراهيم فتحي أن وجود ترجمات عربية حديثة لأشعار غربية وشرقية، أدى إلى تغير الإحساس بماهية الشعر ودوره الحقيقي، كما أدى إلى ظهور رؤى واتجاهات جديدة، أن ظهور قصيدة النثر، نتيجة طبيعية لهذا الشعر المترجم الذي كشف عن زيف اللغة البلاغية والالتزام الموسيقي الصارم، ومدى تأثير ذلك في لغة الشعر التي يجب أن تتمتع بخصوصية في الصور والإيحاءات والحس الشعوري العام، بعيداً عن النظم والعروض .

وما يؤدي إليه من تصنع، وحين كشفت موجة الشعر المترجم عن شعراء مثل: «ت.س. إليوت»، و«بابلو نيرودا»، فقد كشفت عن اتجاهات جديدة في الكتابة، تعتني بتفاصيل الحياة اليومية وتعتمد على الخبرة الذاتية والمعاشرة، كل ذلك أدى بالطبع إلى تأثر الشعراء العرب بهذه الاتجاهات، ومحاولة مجاراتها والكتابة على نمطها..

ومن ثم ظهرت قصيدة النثر كرد فعل طبيعي للشعر المترجم. في حين يرى الناقد والمترجم: كمال ممدوح حمدي أن ترجمة الشعر معادلة في غاية الصعوبة، لما يتميز به هذا الجنس الأدبي من خصوصية على المستوى اللغوي، حيث ترتبط عملية الشاعرية.

ووضع الصور المنفردة ارتباطاً مباشراً بأصل اللغة وتقنياتها، لذلك يصبح من الصعب على المترجم توصيل الحس اللغوي الخاص الذي كتب به المبدع شعره من خلال قنوات الاتصال الإنسانية العامة، لأنه لا شك سيكون هناك تعارض بين لغة المبدع ولغة المترجم لما تحمله كل لغة في طياتها من سمات خاصة، ومن أساليب لا تمت لأية لغة أخرى بصلة.

القاهرة ـ خالد محمد غازي