يؤكد د.أحمد عبد الملك أن المثقف العربي يعاني من قلة هامش الحرية مما ينعكس على الواقع الإعلامي العربي الذي ينشغل بأمور سطحية لا علاقة لها بهموم المواطن العربي، في الوقت الذي يجب فيه ترتيب البيت العربي من الداخل قبل الحديث عن التحديات والهموم الخارجية الأخرى.
وفي هذا الحوار الذي جمعنا به على هامش معرض الشارقة الدولي للكتاب الذي أقيم مؤخراً، وتم تكريمه وزوجته د.عائشة التميمي، بدعوة من النادي الثقافي العربي بالشارقة، نطرح مع الباحث والإعلامي القطري أسئلة تنتظر الكثير من الأجوبة الملحة..
ـ بداية.. كيف تصف عملك الروائي الجديد (القنبلة)، وتفاعل الجمهور مع حفل التوقيع في معرض الشارقة الدولي للكتاب؟
ـ من الصعوبة بمكان أن تحصل على ردود الأفعال المباشرة على عمل أدبي لم يطلع الجمهور عليه بعد، خاصة وأنني أقدم في روايتي الجديدة عملاً أدبياً نفسياً، عن عائلة تنهار جراء إصابة الزوجة بازدواج الشخصية، واقتناعها بأن زوجها متزوج من ثانية، وفي المقابل يعاني الزوج من شكوك حيال زوجته أيضاً ويعتبرها خارجة على شرعية القيم، وفي ظل هذا الصراع تتناول الرواية ظاهرة الخدم الأجانب في الخليج، ونزوع بعض الشباب للتطرف، إلى جانب العديد من الهموم والقضايا التي تتناولها الرواية بحبكاتها المتعددة.
ـ برأيك المثقف العربي هل يعاني من هذه الازدواجية؟
ـ لنعترف أن المثقف العربي يعاني من قلة الحرية ودائماً أقول إن أي مناخ سواء كان تنمويا اقتصاديا تعليميا أو إبداعيا ينتعش بوجود الديمقراطية والحرية التي هي شرط أساسي لنجاح أي عمل، لذلك نرى المثقف العربي يعيش حالة تشتت بين نظام يخاف منه، ومستقبل يريد أن يحققه لأسرته وأطفاله.
كما أن إشكاليتنا أنه لا تتاح للجميع فرص متساوية، وهذه قضية خطيرة في العالم العربي وحبذا لو وجدت مؤسسات حقيقية تدافع عن حقوق الإنسان، وهنا لا بد أن أشير إلى تجربة (قطر) وبعض دول الخليج، والتي بدأت تجاهر بالقضايا التي تمس حقوق الإنسان .
وهذا شيء جيد بالتأكيد، لكن ما زلنا في المنطقة العربية نعاني من النظام الواحد والرجل الواحد والصورة الواحدة، فنلجأ إلى الرمز في قضايانا وفي أحيان كثيرة لا يصل هذا الرمز بأي شكل من الأشكال، لهذا السبب ولأسباب أخرى بدأ بعض المثقف العربي بطباعة كتبه في الخارج، على اعتبار أن هامش الحرية أوسع بكثير.
ـ وهل تنسحب أزمة الحرية في الأدب والإبداع على الإعلام أيضاً؟
ـ بالتأكيد.. ولو طالعت أية جريدة بعض النظر عن الأطروحات التي تطرحها، ستجد أن هناك خطوطاً حمراء وقد كان الرقيب في مرحلة الثمانينات يقف على رأس رئيس التحرير، وأنا كنت رئيس تحرير في العام 1990م، وأعرف تماماً ما يعنيه الرقيب.. اليوم انتهت هذه السطوة وسقطت سبل الرقابة، ففي (قطر) صدر قرار بإلغاء الرقابة، لكن تبقى هناك حدود المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية التي يسمونها نظرية المسؤولية الاجتماعية التي تأتي بعد النظريات الثلاث:
الليبرالية والشيوعية والرأسمالية، كذلك لو فتحت أية قناة فضائية تجد منظومة الأخلاقيات الإعلامية غير واضحة فيها، ستجد فضائيات ليس لديها الرسائل القصيرة (S.M.S)، وشاشة بثلاثة خطوط إعلانات في الأسفل وعلى اليمين واليسار...؟!
وما زالت بعض الدول التي أعتبرها متطورة إعلامياً متمسكة بالإعلام التنموي، هذا البلاء الذي ابتلينا به، والذي يبدأ فيه التلفزيون بصورة الرئيس وينتهي بصورة الرئيس والنشرات الإخبارية المقيتة، مع أننا يجب أن نعترف أن الإعلام مادة غربية وليس مادة عربية.
وقد تناولت في كتابي (إعلاميون من طراز جديد) الروتين الحكومي الذي فرخ إعلاميين لا يعرفون ما هو الإعلام، وهذه حقيقة نعاني منها، حيث الولائية للنظام تفرز مديرين في التلفزيون لا يعرفون شيئاً عن التلفزيون، وأنا لدي بعض الإثباتات من بعض التلفزيونات في المنطقة، مات أرشيفها لأن مدير التلفزيون عنده رسالة سياسية جلبها من الحاكم، لا يهتم معها بالرسالة الثقافية أو الاجتماعية أو الصحية.
فهؤلاء الولائيون يفتقدون إلى القضية المهنية، ويهمهم بالدرجة الأولى ألا يزعل منهم الحاكم أو الوزير أو الرئيس، لكن لا مانع إن دمر التلفزيون، أو فقد الأرشيف، أو تدنى مستوى البرامج، وتم التلاعب في الفواتير تحت باب الفساد الإداري المستشري.
ـ وأين تنحصر همومك اليوم كباحث وإعلامي؟
ـ كل ما تقدم الإنسان في العمر زادت المسؤوليات الملقاة على عاتقه.. وأنا اليوم تنحصر همومي في أهمية إيجاد إعلام عاقل وواعٍ يخاطب الإنسان.. هذا على المستوى الإعلامي، أما على المستوى الثقافي فقد أصبحت عندي ـ بعد عشرين كتاباً ـ مسؤولية قول كلمة الحق والصدق، لأننا نعيش في عصر يجب ألا نخاف فيه، والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول :
«أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»، فلماذا يمسح البعض هذه العبارات ويأتون بعبارات وأطروحات مفتعلة تندرج في إطار أن الغرب ضدنا، في حين أن قيمنا الإخبارية تختلف عن القيم الإخبارية في الغرب، فلا يجوز كلما عوى أحدهم أن نلقمه حجراً، حتى لا تنفد الأحجار من عالمنا العربي، ولا يبقى شيء لأطفال الحجارة في الأراضي العربية المحتلة..؟!
بودي حقيقة أن نشعر بالتفاؤل تجاه علمائنا ومفكرينا، وألا نضع الرقابة على المسرح والكتّاب، لندع رجال المسرح يكتبون، فكلما انتقد النظام كلما ازداد متانة، بدل النظام القمعي وبطانة السوء، لم لا ينزل الحاكم إلى مستوى المثقف، لذلك نريد ثورة في المفاهيم قبل أي شيء آخر.
حوار : أنس الأموي
