ونحن نودع عاماً مرّ بكل ما فيه من نجاحات وكبوات، وطموحات تحققت وآمال تركت إلى الأعوام القادمة.. يحق لنا أن نقف لحظات نحصي خطواتنا المتعبة ونسأل أنفسنا أسئلة مشروعة محددة، من قبيل: ماذا قدم الأدباء والكتّاب العرب للحراك الثقافي، وهل حصيلة هذا العام ثقافياً تعني الكثير لمتابعي ومتذوقي الأدب وما أقلهم في عالمنا الشاسع الواسع..؟!
ففي نهاية كل عام تفرد الصحف والمجلات العربية حيزاً واسعاً لاستطلاعات الرأي الوهمية حول أهم الأحداث التي مرّ بها هذا البلد العربي أو ذاك، ولا تنس أن تسوق نفسها على الصعيد العربي لتعلن عن أفضل فنان عربي، أو أفضل مسلسل درامي، أو أفضل متابعة جماهيرية لعمل ما، لكنها في كل مرة تتناسى بقصد أو بغير قصد، الجانب الأدبي في استطلاعاتها، فلا نعرف للأسف من هو أفضل شاعر عربي، أو كاتب قصة أو جامع الحكايات، كذلك لا نكاد نتعرف على أهم كتاب صدر في هذا العام، وحقق أعلى نسبة مبيعات لا تتجاوز عشرات النسخ على أبعد أم أكثر تقدير.
لماذا يحدث ذلك؟ ويتم تكريس هذا المفهوم الذي يحاول إقصاء الثقافة الحقيقية عن قائمة اهتمامات الجمهور المسيرّ الذي يكاد يعرف عن حكايات المنجمّين والطباخين أكثر مما يعرف عن رواد وكتّاب الرواية، والقصة القصيرة، والقصيرة جداً (ق.ق.ج)، ويتابع بكل حماس خلافات ومشاحنات أهل المغنى والتمثيل، أكثر مما يتابع الندوات والأمسيات والفعاليات الثقافية التي تتوزع خجولة على مدار العام.
حتى معرض الكتاب السنوي، الذي أصبح تقليداً جميلاً في أغلب البلدان العربية، تحول إلى سوق لترويج الكتب التي لا تعنى بحاجة المرء إلى المعرفة، فصار من المألوف والمعروف أن تجد دار نشر محترمة تستضيف أستاذاً عبقرياً في (فنون وآداب الطبخ)، ليطل علينا بكامل لياقته المعرفية، البهّية، وطاقيته البيضاء الطويلة، وابتسامته العريضة، ليوقع كتابه الشهي ويحدثنا عن الثقافة المطبخية للشعوب والأمم في هذه القرية الصغيرة التي صدقنا أن اسمها (العالم)، والتي يحتل فيها الكتاب العتيد آخر الخيارات المتاحة بعد قائمة تطول من الاهتمامات والرغبات التي لا تنتهي، أو نجد (بصارّة عصرّية) تطالعنا بكتابها المعجزة الذي يتنبأ بالأعاصير والويلات والمحن التي ستحدث العام القادم أو تقوم بتحليل شخصيات هذا البرج أو ذاك، فيما تمعن في الاستهزاء بعقولنا التي أكلها الجهل والأفكار المخجلة.
لماذا لم نسمع منذ سنوات عن استبيان نال فيه كاتب عربي المكانة الكبرى لدى الجمهور، أو أديبة عربية لفتت الانتباه لإبداعاتها التي تتوالى عاماً بعد عام كحبات الندى في صحراء أفكارنا الجرداء، كما لم نتابع منذ سنوات أمسية أدبية تقاطر فيها الجمهور وتدافع لرؤية هذا الأديب أو ذاك وهو يرتدي قبعته الحمراء ويوزع هداياه ـ كتبه ـ على الجمهور (كبابا نويل)، هل لأن الثقافة هي آخر الأشياء التي نفكر فيها ونحن نودع عاماً ونستقبل العام الجديد، استقبالاً عربياً حافلاً، يليق بنا على كل الأحوال، ويليق بذائقتنا المترهلة التي تتسع لكل ما هو سطحي وتافه وتضيق بذكر ما هو جدير بالاحتفاء، ثم يأتي من يقول لنا في هذه الأيام: كل عام والثقافة العربية بألف خير..؟!
alomawi@albayan.ae