ما زال الجدل مستمراً حول أهمية وجود اختصاصي نفسي يرافق منتخباتنا وفرقنا الرياضية ويعينهم وقت الضرورة.. وكان الإجماع من قبل مختلف مؤسساتنا الرياضية برفض دخول هذه الفئة من الاختصاصيين للملاعب والصالات ومنعها من الاحتكاك بلاعبينا..
ولكي نقرب الصورة أكثر ونعرف ماذا يملك هؤلاء النفسانيون حاورنا الدكتور محمد سبيته اختصاصي علم النفس الرياضي بمستشفى راشد وهو لاعب كرة يد سابق بالنادي الأهلي في حقبة السبعينات وكان من الرواد الإماراتيين الذين تخصصوا في دراسة التربية الرياضية.. والذي دخل مجالا جديدا في عالم الرياضة الإماراتية بنيله شهادة الماجستير ومن بعدها الدكتوراه في تخصص علم النفس الرياضي..
وقبل أن اطرق باب مكتبه راودني شعور بالقلق، خشية أن أضيع في المصطلحات الطبية والألغاز.. فالطبيب النفسي لم نكن نراه في السابق إلا بوجهين فهو إما ساحر أو مجنون.. أما الرجل فقد كان سهلا في كلماته واضحا في أمثلته.. دقيقا في نظرياته الميسرة..
تحدثنا معه عن كل شيء: المنتخب في خليجي 18 وعلاقة الرياضة بعلم النفس.. ونطحة زيدان الشهيرة.. وحادثة محمد عمر مع الجمهور.. وكيف من الممكن أن يكون الاختصاصي النفسي جزءا من الأجهزة المرافقة لكل فريق رياضي في الدولة:
* من هو الاختصاصي النفسي؟
ـ الاختصاصي النفسي يختلف عن الطبيب النفسي.. فهو يعالج مرضاه بالحوار والنقاش والبحوث وإيجاد الحلول المناسبة لها بدون أي استعانة بالأدوية والعقاقير الطبية.
* هل من توضيح؟
ـ نطحة زيدان الشهيرة بنهائي كأس العالم 2006 كانت نتيجة إهمال نفسي فادح.. فمنتخب مثل فرنسا كان عليه أن يحضّر لاعبيه نفسياً.. وهذا ما يحصل تماما في دوري المحترفين الأميركي لكرة السلة NBA فكل لاعب هناك يرافقه اختصاصي نفسي يراقبه ويرصد تحركاته ويقوم بتوجيهه ساعة الضرورة.. وهذا قد لا يمنع حدوث بعض «الانفلاتات» ولكنه يقللها بكل تأكيد.
* وكيف يمكنكم مساعدة منتخب الإمارات خصوصا أن البطولة باتت على الأبواب؟
الوقت ضيق الآن ولكن هناك دائما في علم النفس ردة فعل مناسبة لكل حدث مثل هذا يسمى (الخدمة السريعة للدعم النفسي) وهو ما سنحاول القيام به في حال افتراض استعانة اتحاد الكرة بنا.. فاللاعبون يحتاجون لإزالة الضغط النفسي والخوف من الفشل بداخلهم..
وهم كذلك بحاجة لتحفيز نفسي وتجديد لحيوية التمكن من الوصول إلى الهدف وما يحزنني حقا أننا مازلنا بعيدين عن التخصص النفسي فالإداريون المسؤولون عن المنتخب بطريقة مباشرة تكون عليهم أعباء كثيرة فهم يقومون بتسهيل بعض العراقيل التي قد تكون أمام اللاعبين خارج الملعب ويقومون كذلك بتنظيم تنفيذ بعض البرامج المناطة بهم من قبل الأجهزة الفنية وتضيع كل هذه الجهود ليصبح الحافز النفسي آخر ما يقومون به..
فنرى المدرب يحضر لاعبيه فنيا ونفسيا وهذا ما قد يشتت بعض أفكاره ويؤخرها.. واللاعبون تختلف نفسياتهم من شخص لشخص سواء كان ذلك بسبب صدمة الفوز أو صدمة الخسارة أو حتى بردود أفعالهم نتيجة تعرضهم لأي حادثة في المباراة؟
* هل أخطأ اتحاد الكرة برفضه الاستعانة بكم؟
ـ لا تقل أخطأ بل قل كان من المستحسن أن يستعين اتحاد الكرة بنا.. فالبطولة التي ستقام على أرضنا أصبحت هدف الجميع والكل يريد أن يساهم بإنجاحها والوصول إلى الهدف بطريقة ميسرة وسهلة.. لاعبو المنتخب هم من خيرة اللاعبين في الدولة، والرياضة وكرة القدم في الدولة دخلت منحى جديداً بعد إعلان احتراف اللاعبين وإشهار المجالس الرياضة في أبوظبي ودبي والشارقة.. ونحن كلنا ثقة أن هذه ستكون نقلة لنا جميعا كرياضيين.
* هل من حكاية حول التحفيز؟
ـ تصرف صاحب سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بطريقة حكيمة من الناحية النفسية عندما قرر أن يحضر شخصيا ليساند كريمته سمو الشيخة ميثاء بنت محمد في آسياد الدوحة أثناء مشاركتها في الدورة وهذا يسمى في علم النفس «التحفيز»..
واعتقد ان مشاعر سمو الشيخة ميثاء لحظة حضوره تحولت لمشاعر حماسية كبيرة، مما أثر كثيرا في حصولها على الميدالية الفضية.. وهذا ما يحتاجه المنتخب الوطني بالضبط في خليجي 18.. فالتحفيز الأبوي أكثر العوامل التي سترفع من معنويات اللاعبين وتجعلهم يطيرون في السماء من جراء ارتفاع روحهم المعنوية.
* حدثنا عن بعض الأمثلة الرياضية التي كانت تحتاج لتدخل علم النفس من وجهة نظرك؟
ـ زهير بخيت وعبدالرزاق إبراهيم لو تم التعامل معهما بطريقة نفسية علمية لتمت الاستفادة من إمكانياتهما بطريقة أفضل ولما عرقلت بعض الأحداث مسيرتهما الكروية.. ونفس المثال ينطبق على لاعب المنتخب في فترة السبعينات سالم سهيل الذي تأثر من الإصابة التي تعرض لها ولم يجد الحل النفسي الذي كان سيعيده للعب الكرة..
واقرب مثال هو ما حدث للاعب المنتخب الحالي محمد عمر والذي على الرغم من خبرته الطويلة في الملاعب إلا أنه تفاعل سلبيا مع انتقاد وهجوم بعض الجماهير له بإحدى المباريات وكان هذا نتيجة الخوف الذي بداخله من احتمال فشل مهمته في بطولة كأس الخليج القادمة.
* ما الذي تتمناه أن يتغير في الرياضة الإماراتية كونك اختصاصيا بعلم النفس الرياضي؟
ـ أتمنى التقنين في كل شيء ابتداء من المراحل العمرية في الأندية إلى أن نصل للمنتخب الوطني.. فالقاعدة السليمة المنظمة تنشئ منتخبات وطنية متكاملة وأنديتنا مازال كشافوها يبحثون في الحواري عن المواهب من اللاعبين ويقيمهم المدرب المختص بطريقة عشوائية ويتم توزيع اللاعبين على حسب حاجة بعض اللعبات بغض النظر عن ميولهم وإمكانياتهم..
فاللاعبون الصغار لا يستطيعون أن يخططوا لمستقبلهم والأندية تخطط، بالكم وملء الفراغات أكثر من تخططيها بوضع الموهبة المناسبة بمكانها الصحيح.. ويستطرد د.«سبيته» حديثه بإسهاب: لاعبونا المحترفون باتوا متأقلمين مع الرواتب الجيدة التي يتسلمونها وبعد أن تأقلموا عليها أصبحت لا تشكل حافزا لهم وقد تكون بطولة الخليج حافزا لبعضهم لتحسين وضعهم أكثر في حال الفوز بها وهذا سيشكل أكبر حافز لهم في حال فطنتهم لهذه النقطة.
* هل بإمكانك مثلا أن تفحص حالة اللاعبين من خلال جلسة تشخيص واحدة ؟
ـ هذا غير ممكن طبعا.. أي مراجع للعيادة النفسية يحتاج لفترة معينة كي يثق بالاختصاصي النفسي الذي أمامه والوقت من أجل ذلك قد يطول ويتطلب مدة زمنية ثابتة كي تمكننا من تشخيص حالته وبالتالي علاج ما بداخله لو وجد.
حوار: عمران محمد

