شادية جرادات، من مواليد أكتوبر عام 1987، تعلمت لعبة الشطرنج وهي صغيرة في الثالثة من عمرها، لم يكن القدر وحده من أرشدها لهذه الرياضة الفكرية، بل كان الأب زاهي جرادات الذي اعتقل في السجون الاسرائيلية لتسع سنوات كانت جلساته مع زميله الشهيد أبو الرامز كفيلة بأن تعلمه فنون لعبة الأذكياء، ولأنه أحدهم تعلمها بسرعة.

ولأن العرق دساس كما يقولون، كان طبيعياً أن تكون شادية بذات الذكاء الفطري الذي عليه والدها، بل نكتشف أن العائلة كلها تتسم بالصفة نفسها إذا ما علمنا أن الصغيرة أنغام ذات السنوات التسع تتوج أحياناً بطلة «لبطولة العائلة» التي تتجمع في نهاية الأسبوع، بعض الأحيان، حينما تكون سماء الخليل صافية الأب زاهي الذي تجاوز عقده الرابع وأعمامها وإخوانها الكبار ومنهم شادية.

من يناظر عيون شادية التي مثلت بلدها في دورة الألعاب الآسيوية الخامسة عشرة (الدوحة 2006) لا يلمس فيهما الجمال وحده، وإنما التحدي والإصرار على المنافسة، فهي وكما تقول: «لا ألعب الشطرنج لأتسلى»، وهذا يدفعنا للتعمق أكثر في شخصية تلك الفتاة الفلسطينية التي توشحت بعلم بلدها المحتل وذهبت إلى الدوحة لتشارك ليس من أجل المنافسة بل لأنها وزملاءها رفعوا لواء «نحن موجودون».

سألتها: اخبريني كيف ومتى تعلمت الشطرنج، فقالت: أنا ابنة لمعتقل سابق هو زاهي جرادات تعلم الشطرنج وفنونها من زميله الشهيد أبو الرامز خلف قضبان السجون الإسرائيلية، وما ان تم فك أسره حتى قام بتعليمنا الشطرنج لي ولإخواني ومعنا أعمامي أيضاً،

حتى أصبحت أنا وإخواني شادي وشروق نشارك على مستوى البطولات المدرسية وتكون المراكز الأولى من نصيبنا. وتتابع: أنا المصنفة الأولى على مستوى فلسطين وتأتي شقيقتي شروق في المرتبة الثانية، وأنا هذا العام وللمرة الثانية أتوج بطلة لفئة السيدات.

ربما لمسنا تعلق شادية بهذه اللعبة الفكرية، وهو ما تترجمه لنا صراحة، حينما تقول: أنا طالبة في السنة الجامعية الثانية، الآن أدرس في جامعة بيرزيت تخصص الهندسة المدنية، وأعيش طوال أيام الأسبوع في السكن الداخلي للجامعة القابعة في مدينة رام الله بيد أنني أتحدر من مدينة الخليل وهي تبعد عن جامعتي مسافة 85 كيلومتراً،

وبمجرد وصولي إلى البيت يوم الخميس لقضاء الإجازة الأسبوعية مع عائلتي يشهد أحياناً صالون منزلنا بطولة عائلية تجمعني وإخواني وأبي وأعمامي بل ونخصص جوائز للبطولة، فأحياناً يفوز بها أخي ورد وهو أصغر لاعب بيننا وتارة تفوز بها أنغام ذات السنوات التسع.

وتستطرد: لعلني هنا أود أن أذكر لك قصة، فذات مرة شاركنا بطولة شطرنجية في بلدة سعير التي أنا منها وهي تقع في مدينة الخليل، وشارك 5 أفراد من عائلتي لينحصر التنافس على المراكز الخمسة الأولى بيننا! وعلى فكرة حبنا للشطرنج، تقول شادية، يلاحظه الزائر لبيتنا فمن يدخله يرى أن بلاط البيت على شكل رقعة شطرنجية وكذلك طاولة الطعام بالإضافة إلى العدد الهائل من الكؤوس والميداليات.

الشطرنج جزء من شخصيتي

سألتها مجدداً: ماذا تعني لك هذه الرياضة الفكرية؟ أجابت من دون تردد: هي جزء من شخصيتي، بل هو الأول والأخير في حياتي، وصدقني أنني لا أجد نفسي كشادية إلا وأنا ألعب الشطرنج. قلت لها: ألهذه الدرجة؟ فردت: نعم. فالشطرنج علمني كيف أحسب خطواتي في الحياة وأي نقلة في حياتي أتعامل معها كأنها نقلة فوق رقعة شطرنج.

وتتابع: لعل الاختلاف بين الشطرنج والحياة إذا ارتكبت خطأ في حياتك ممكن جداً استدراكه وتصحيحه، بيد أن الخطأ في لعبة الشطرنج لا يمكن تصحيحه، أما وجه الشبه بيننا أنه فينا الجد وعدم التسرع في اتخاذ القرار لكني أعترف أنني لست صبورة في بعض الأحيان، بيد أن الشطرنج يحتاج صبراً ولهذا أخسر بعض مبارياتي.

منهج مدرسي

حب شادية وولعها بلعبة الشطرنج دفعها لطرح رأي أكاديمي أيضاً، فقالت: أعتقد أن الشطرنج مهم جداً في حياتنا كأفراد لأنه يوسّع من مداركنا وفكرنا ولذا أراه مادة أكاديمية ضرورية لتدرس في المدارس. وتعترف شادية بأنها تعتمد على جهودها الشخصية فقط حينما تشارك في البطولات الخارجية،

فتقول: بعيداً عن ظروف الاحتلال أواجه صعوبة بعدم وجود مدرب يدربني ولا أظن أن هناك لاعبة أو لاعبا شارك في الآسياد ولا يوجد لديه مدرب يشرف عليه، لكنني أشارك في البطولات الخارجية لسببين، الأول هو للتأكيد على التواجد الفلسطيني في البطولات الخارجية، والثاني أنني ألعب لاكتسب الخبرة أيضاً، فأنا لاعبة حالمة بمستقبل مشرق في اللعبة.

عمر جمعة