حول «أسباب توجه الشباب العربي إلى الألحان المستغربة وسبل علاجها» عقدت جلسات نقاشية للباحثين العرب المشاركين في فعاليات مهرجان القاهرة للموسيقى العربية في دورته الخامسة عشرة في منتصف الشهر الماضي وذلك سعياً وراء الوقوف علي السبل المناسبة لإعادة المستمع العربي إلى أحضان الموسيقى العربية التي تتناسب ومقدراته وأهدافه، ورغبة في خلق جيل من الشباب العربي قادراً على تذوق تراثه الموسيقي الأصيل.
مداخلات عديدة شارك بها موسيقيون وباحثون عرب خلال الندوة اتفقت مجملها على أن الموسيقى العربية اليوم تعاني من تحولات التغريب على يد جيل الشباب حيث تحدث في هذا الإطار الموسيقي الدكتور كفاح خوري من الأردن قائلاً: إن المستمع العربي لم يستطع التواصل مع أغنياته العربية بسبب أنه افتقاده لتوازنه الثقافي الداخلي، وهذا ما جعله عرضة لكثير من الغزوات الفكرية والثقافية والفنية.
وأشار د. خوري إلى أنه لهذا السبب توجهت أجيال من الشباب للتلحين من الموسيقى الغربية بديلا عن تراثهم الفني العريق، لأن الشباب العربي يرى أن الموسيقى العربية متخلفة مثلها مثل الواقع العربي، وبالتالي أصبح توجهه وولاؤه نحو الموسيقى الغربية، التي تمثل واقعاً غريباً أكثر تطوراً وريادة.
وانتهي د. كفاح إلى أن الأزمة كبيرة وموجهة إلى الزحف العالمي للأغنية الغربية، حتى أصبحت الموسيقى الغربية مثل (العاصفة) التي تكتسح كل ما في وجهها وتجعله يقتلع من الجذور الأصيلة، وأن الحل يكمن بالتركيز على خلق طفل متذوق لتراثه الموسيقي الأصيل.
ومن جامعة القدس أكد د. معتصم خضر عديلة ان هناك انقطاعا بين متابع التراث الموسيقي العربي وبين الشباب العربي منذ طفولتهم، وهذا سوف يجعلهم يتوجهون حتما لمصدر آخر لإشباع حاجتهم الفطرية للموسيقى، وهذا التوجه سوف يكون بالضرورة إلى الموسيقى الغربية.
وقال: إن الذوق الموسيقي يأتي بالطبع وتكرار السماع الذي يغذى هذا الطبع، ومن هنا نلاحظ أن هناك إسهاماً كبيراً من قبل الإذاعات والقنوات الفضائية العربية بأسوأ الأثر في هذا الاغتراب والتطبيع وإفقاد الشباب هويتهم الموسيقية العربية حتى تحولت هذه المحطات والإذاعات العربية إلى آخرى غربية، وأعتقد أن كل هذا خلق جيلاً من الشباب العربي لا ينتمون إلى الموسيقى العربية ولا حتى إلى الثقافة العربية بل أصبح ينتمي إلى موسيقى وثقافة غربية.
ومن السودان أكد د. عباس سليمان السباعي أن الغناء العربي يمثل وسيلة التعبير الأساسية عن الواقع العربي في كافة المناسبات، في الفرح والحزن، وذلك من خلال قوالب الغناء العربي الفردي والجماعي. وأوضح د. عباس أنه لما كانت السودان جزءا من النسيج العربي، فهي تعاني نفس معاناة أي شعب عربي في مجال الأغنية العربية، فقد رغب الشباب العربي ـ وبالتالي السوداني ـ عن أغانيه التراثية الأصيلة ليطرب وينسجم مع الأغنية الحديثة وأغنية المنوعات، وهي في واقع الأمر أغنية خالية من أي طرب.
وأضاف ان هناك تنوعا واختلافا كبيرين في الثقافات بالسودان، وذلك يرجع لتنوع السودانيين من أصول نوبية وعربية وسكان أصليين، وبالتالي احتل الغناء مكان الصدارة بين كافة الفنون المختلفة بالسودان، وأصبحت الإيقاعات والضروب الافريقية الأكثر تأثيرا علي كافة طبقات الشعب السوداني.
وكان انتشار الأغنية القصيرة في السودان نابعا من كونها تقدم بعد الأغاني الطويلة أو القصائد العربية في الحفلات، والتي عرفت باسم (الكسرة) وهي مثل الطقطوقة والمنولوج الغنائي العربي، ولكن فيما بعد وقعت في براثن تجار الفن في السودان وأصبحت بلا طعم ولا لون.
وأوصي د. عباس إلى ضرورة تطور القوالب الغنائية العربية الأصيلة، حتى لا تطغى عليها الأغنيات القصيرة التي لا تحمل أي معنى أو هدف سوى الصمم لآذاننا عبر الفضائيات. وقال: لابد من إعادة توجيه الأصوات العربية وخاصة الناجحة منها نحو الاهتمام بالأغنية العربية الأصيلة، لتأخذ حقها في الانتشار هي الأخرى عبر قنوات البث الفضائية.
أما د. هاني عبدالناصر مدرس بكلية التربية الموسيقية جامعة حلوان فأكد أن التناقل بين الخبرات والثقافات وتفاعلها يعد من أهم خصائص الحضارة الإنسانية منذ أقدم العصور، بما يعني وجود ظاهرة العولمة منذ فجر التاريخ وليس الآن فقط مع اختلاف وتيرتها، ولكن ما أكسب العولمة الآن شراستها ومخالبها وانحراف مقاصدها وأهدافها، هذا ما حدث من طفرة هائلة في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
وحول مدي تأثر المصريين بالموسيقى الغربية قال: إنها ليست ظاهرة جديدة ولكنها ترجع لبدايات القرن العشرين، مع ضرورة الإشارة إلي أن هؤلاء الموسيقيين الكبار لجأوا لتطوير موسيقاهم برقي ووعي بجذورهم الشرقية، وبالتالي تكمن المشكلة في التسطيح وعدم الوعي والفهم الخاطئ، الذي ينقل من خلاله الملحن والموسيقي العربي عامة والمصري خاصة من الغرب.
فهناك تغير وتطور إيجابي للنقل من الغرب شهدناه في التجارب الرائدة لرواد القرن العشرين أمثال سيد درويش وعبدالوهاب ومحمد فوزي ومنير مراد، ولكن مع دخولنا لعقد التسعينات دخلت الأغنية المصرية منعطفاً جديداً تغير خلاله شكلها ومضمونها.
القاهرة ـ داليا فاروق
«وكالة الصحافة العربية».