لا يخفى عالم الآثار الفرنسي فردريك آبيس محبته للشرق، هذه المحبة التي وصلت إلى حدود العشق والرغبة في إعادة كتابة تاريخ هذه المنطقة بأيد أبنائها..
لذلك لم يكن غريباً أن يطلق عليه زملاؤه لقب (السوري)، وهو يصّر عاماً بعد عام على اكتشاف ودراسة المواقع الأثرية التي تثبت بالدليل القاطع والمكتشفات، أن الشرق العربي ساحر لا يمكن الاستغناء عنه على حد تعبير الآثاري الفرنسي الذي أعرب عن سعادته في لقائه الخاص مع (البيان)، متسائلاَ أكثر من مرة: لم لا يدرس العرب تاريخهم بشكل جيد، بدل أن يفعل الغرب ذلك..؟
سؤال يستحق الإجابة كما يستحق التفكير والتمعن.. تفاصيل الحوار الذي جمعنا به في دمشق قبيل الانتهاء من موسم البعثة الأثرية السورية الفرنسية المشتركة.
ـ بداية.. ما الذي دفعك لاختيار منطقة الشرق العربي لدراسة عصور ما قبل التاريخ؟
ـ دائماً هناك لحظات حاسمة في حياة الإنسان، تساهم في تغير حياته ومشواره الإبداعي، وكأي طالب آثار في بداية طريقه، عملت في أماكن وبعثات عديدة تنتمي لعصور مختلفة، ولم أكن أعرف بالضبط الاتجاه الذي سأسير عليه، إلى أن التقيت بعالم الآثار المعروف (جاك كوفان)،.
وتعلمت منه أشياء كثيرة عن عصور ما قبل التاريخ، وبالفعل سحرت بشخصية هذا العالم وبالاختصاص الذي يعمل عليه، وهذا ما أدى إلى تغير منحى حياتي، بعد أن علمني كيف أهتم بالشرق وعصور ما قبل التاريخ، لذلك يمكنني القول أنني أخذت عن (كوفان) فلسفته وطريقته في البحث العلمي، وأنا أسير على خطى هذه الطريقة الآن.
ـ قلت إن للشرق سحره الخاص، فهل هذا ينطبق ذلك على دراستك وتخصصك في مجال الآثار وعصور ما قبل التاريخ؟
ـ كما قلت لك.. في البداية سحرت بشخصية (جاك كوفان)، مما جعلني أحب الشرق، لكن عندما جئت إلى المشرق العربي وقعت في حب هذا الشرق، لدرجة عندما أعود إلى فرنسا اليوم يسمونني (السوري)، وأنا حقيقة تعرفت على هذا البلد منذ أن كان عمري (20 عاماً)، وذلك من خلال الباحثين وكتابتهم وأبحاثهم الأثرية، وقد زرت سوريا وأنا في (28 من عمري)، ومن حينها لم تنقطع زياراتي لهذا البلد أبداً.
ـ من جهة أخرى، على أي أساس يتم اختيار الموقع المراد دراسته آثارياً؟
ـ في علم الآثار هناك حيل وطرائق متعددة، نستطيع من خلالها استكشاف المواقع الأثرية، التي قد تكون مواقع ظاهرة للعيان أو مخفية، لذلك عندما نقوم بمسوحات أثرية، فإننا نركز على المواقع الموجودة في الجبال، منذ بدايات العصر الحجري الحديث لدراسة بداية هذه الحقبة لننتقل بعدها إلى عصر أقدم، حتى نستطيع فهم الحقبة التاريخية بأكملها.
فمثلاً الموقع الذي عملنا به مؤخراً، والذي يسمى (وادي تنباك)، هو داخل مغارة، وقد اكتشف بالصدفة من قبل بعض الطلاب ذات يوم مشمس، وهو موقع يعود إلى فترة من فترات العصر الحجري الحديث.
ـ حتى لا يضيع القراء بين تقسيم العصور، ما الفرق بين العصر الحجري الحديث وعصور ما قبل التاريخ، وما مدى أهمية هذه العصور بالنسبة للشرق؟
ـ (ضاحكاً).. هذا الجواب بحاجة إلى الليل بطوله للإجابة عنه، لكنني أستطيع القول إن أهمية فترة العصر الحجري الحديث، أن من عاش في تلك الفترة يشبهوننا إلى درجة كبيرة من ناحية حدوث تغيرات طارئة تغير فيها المجتمع، وأصبح هناك قرى وتجارة وصناعة بمفهوم العصر الحجري، ولو أخذنا هذه الفترة وقارناها بفترة الثورة الصناعية الكبرى التي حدثت في العصور الحديثة في أوروبا، لا تعادل شيئاً مقارنة بالعصر الحجري الحديث..؟!
ـ لكل باحث طموح وأهداف فإلى ماذا تطمح، ومتى تتوقع أن تتوقف في أعمالك وأبحاثك؟
ـ من ناحية طموحي العلمي أشعر بالحماس الكبير، وأحب أن أعرف أشياء أكثر عن الشرق، فالأشخاص الذين غيروا أفكارهم الفكرية والثقافية والدينية في عصرنا الحالي، قد ترى مثلهم في العصر الحجري الحديث..
وهذه مفارقة علمية أريد أن أفهم من خلالها لماذا حدث هذا التغير، وماذا حدث من ناحية التغير الفكري والثقافي، أما طموحي الثاني والذي أعتبره الأهم في أبحاثي، هو محاولاتي تدريب عدد من الطلاب والباحثين المحليين، حتى يستطيعوا دراسة تاريخهم وحضارتهم.. هذا الطاقم أتمنى أن يستطيع في يوم من الأيام الحديث عن تاريخه بشكل متوازي تماماً مع أي باحث عالمي آخر، فلماذا يأتي الأوروبيون لدراسة تاريخ العرب، في حين نجد العرب أنفسهم غير قادرين على ذلك.
ـ لكن هذه الرؤية الإيجابية تجاه الشرق، قد لا نجدها لدى بقية الباحثين، فالمستشرقون الإنجليز مثلاً لديهم نزعة لتشويه الحضارة والرؤية الثقافية العربية والشرقية؟ فما الذي يدفعك للتفكير بهذه الطريقة المختلفة عن الآخرين؟
ـ لا أرى نفسي مختلفاً عن كل من يقطن الشرق.. وهناك الكثير من الباحثين الذين يحاولون أن يوجدوا هذا الاختلاف لكن في النهاية لا يصلون إلى نهاية أهدافهم، فهناك الكثير ممن يفكر، لكن تبقى كل هذه الأفكار بعيدة لا ترى النور على أرض الواقع، ودائماً أردد أنه من الجميل أن تتحدث اليوم عن أفكارك، لكن الأجمل لو حققتها غداً.
ـ لو سألتك بصراحة هل تجد صعوبة في تقديم أبحاثك في الأوساط الغربية كونك تسمى (بالسوري)؟
ـ في أبحاث عصور ما قبل التاريخ لا أجد أي مشكلة، لأن هذه الأبحاث والدراسات تهم كل الجميع، لكن الشيء الأصعب هو أن أجد عملاً لي في فرنسا، وأعترف هنا أنه عندما ينادونني (بالسوري)، فإن هناك من يفعل ذلك كنوع من اللطف والتحبب، وآخرون بدافع العنصرية..؟!
ـ وهل أنت سعيد بهذا اللقب؟
ـ كثيراً.
ـ هل زرت بلدان عربية أخرى؟
ـ فقط لبنان
ـ أخيراً.. لو طلبت منك أن تصف لي الشرق بكلمات قليلة ماذا تقول؟
ـ الشرق.. كل شيء فيه مجنون، لكن لا يمكن الاستغناء عنه أبداً.
حوار: أنس الأموي